هل ستدخل أوروبا في الإسلام خلال عشر سنوات؟
dawahskillsar
د. إبراهيم البيومي غانم

نشرت “الأوبزيرفر” البريطانية (17/2/2017) مقالاً للكاتب سلوين ديوك بعنوان: “الإسلام سينتصر في أوروبا بلا سيوف، وبلا بنادق، وبلا غزو”. وقد استعار كلمات هذا العنوان من تصريح لمعمر القذافي(!) قاله في سنة 2006م. عندما نقرأ المقال بأكمله يتضح أن


هل ستدخل أوروبا في الإسلام؟


عنوانه يدخل ضمن جهود “الإسلاموفوبيا” الذي يمارسه الإعلام الغربي بدأب وإصرار بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى تتصل بالقيم أو بالأخلاق.


كان القذافي قد قالَ كلامه المشار إليه في معرض حديثه عن ارتفاع عدد المسلمين في أوروبا إلى 50 مليون مسلم في مطلع القرن الواحد والعشرين؛ إذ قال حينها؛ حسب ما نقله كاتب الأوبزيرفر:” إن هناك مؤشرات على أن الله تعالى سينصر الإسلام في أوروبا بلا سيوف، ولا بنادق، ولا غزو، وستتحول أوروبا إلى قارة مسلمة خلال عقود معدودة من الزمن”.


وما أذكره هنا ليس ترجمة حرفية لمقال الأوبزيرفر، بقدر ما هو تعريب لأهم ما ورد فيه من أفكار وحجج ساقها كاتبه “سلوين ديوك”، وقصدي أن ألفت نظر القراء الكرام إلى جانب مما يمارسه الإعلام الغربي من جهود تتدثر بالموضوعية ونتائج البحوث الاجتماعية واستطلاعات الرأي العام، بينما تستهدف زيادة مشاعر الكراهية ضد الإسلام والمسلمين وتسعى لمساندة اليمين المتطرف الذي يصعد بقوة في قلب القارة الأوربية(فرنسا، وإيطاليا وبلجيكا …إلخ)، وفي الولايات المتحدة (ترمب).


بدأ كاتب الأوبزيرفر مقاله بجملة صرح بها رئيس الأساقفة الإيطالي مونسنيور كارلو لبيراتي لصحيفة كاثوليكية قال فيها “خلال عشر سنوات سوف نصبح جميعاً مسلمين بسبب غباوتنا”. وثمة حاجة لمناقشة المونسنيور في السبب هل هو “غباوتهم” أم إن هناك سبباً، أو أسباباً أخرى؟. وعلى أية حال فقد عقب كاتب مقال الأوبزيرفر على تصريح القذافي بأنه كان يتحدث عما يتمناه وليس عما يمكن أن يحدث فعلاً، بينما كان يتحدث المنسينيور بقدر كبير من عدم الدقة.


ما يلفت النظر أن رئيس الأساقفة لبيراتي ألقى باللوم على الأوربيين أنفسهم بسبب أنهم يعتقدون في العلمانية، فعلمانيتهم -حسب رأيه- هي السبب الأكبر لسرعة انتشار الإسلام.


وتتلخص وجهة نظر لبيراتي في أن التحول للعلمانية سيسبب خروجاً آخر عنها؛ لأنها لا تلبي الحاجة الروحية للبشر، وأن هذا الخروج عن العلمانية سيكون لجهة الإسلام الذي يحمله المهاجرون المسلمون القادمون بكثافة إلى الغرب، ويزيد هذا الاحتمال ما يتمتعون به من خصوبة إنجابية عالية مقارنة بالأوربيين.


وبعيداً عن تحذيرات لبيراتي، وعن تمنيات القذافي أو أحلامه أيضاً، وبالرجوع إلى  التقديرات الإحصائية الرسمية عن أعداد المسلمين في أوروبا، يستعرض كاتب المقال بعض نتائج البحوث والمسوح الاجتماعية. ويستنتج منها أنها توضح أن عدد المسلمين قد وصل في سنة 2010م إلى 44 مليون مسلم، وأن اتجاهات الأحداث لا تدعم تحول القارة إلى الإسلام خلال عدة عقود، ناهيك عن أن تتحول للإسلام خلال عقد واحد كما قال رئيس الأساقفة في تحذيره الصارخ.


تخوفات ليست في محلها


من الحجج التي تؤيد ذلك أن مركز “بيو” للأبحاث (هو مركز أمريكي ذائع الصيت) كان قد أصدر تقريراً في يوليو 2016، أوضح فيه أن نسبة المسلمين في أوروبا ترتفع كل عشر سنوات بحوالي 1% فقط؛ حيث ارتفعت نسبتهم  من 4% إلى 6% في الفترة (من 1990 إلى 2010)، وأن هذا المعدل سيستمر حتى سنة 2030، وحينها سيمثل المسلمون حوالي 8% فقط من جملة سكان أوروبا.


وعليه فإن تخوفات لبيراتي ليست في محلها تماماً، ولا تخرج في رأينا نحن المسلمين عن كونها نوعاً من التخويف من الإسلام واستثارة لمشاعر الكراهية ضد المسلمين في أوروبا كما أسلفنا.


رئيس الأساقفة “لبيراتي” أرجع أيضاً سبب تراجع المؤمنين بكنيسته إلى سيادة “العلمانية”، وإلى التدهور الأخلاقي في أوروبا، وحذر من أن هذا سيعزز انتشار الإسلام في القارة إلى الدرجة التي يتوقع فيها دخول القارة بأكملها في الإسلام خلال عشر سنوات فقط كما سلف. وهو يرى أن الفراغ الروحي الذي ينجم عن التحول للعلمانية؛ تملؤه مباشرة الدعوة الدينية المتوهجة التي يحملها المهاجرون المسلمون إلى أوروبا.  ولكن أغلب العلمانيين يفندون هذا الرأي بأن “الحداثة العلمانية” سوف تسحق، أو على الأقل تستوعب الأجيال المسلمة الجديدة وتذيبها في أتون العلمنة والحداثة مثلما فعلت في نظيرتها من الأجيال المسيحية.


ويرون أن نداء العلمنة يقضي بالعلم والعقل، على “نداء الإيمان”، وأن المستقبل هو للإلحاد وحده.


ولكن ثمة وجهة نظر أخرى تذهب إلى أن نتائج البحوث الديمغرافية والاجتماعية لا تؤيد هذا الرأي الذي يتبناه العلمانيون. فهذه البحوث توضح أن الأجيال المسلمة الجديدة في أوروبا لديها ميول نحو التدين (وأنهم أكثر تقوى ورغبة في الإيمان بالله) مقارنة بآبائهم، ومن ثم فهم محصنون ضد العلمنة.


وعليه فإن هناك سبباً آخر يعمل باتجاه معاكس لسحر العلمنة وجاذبيتها. وخلال العقود القليلة المقبلة سيتجه العالم عموما ليكون أكثر تديناً، وليس أقل تدينا كما يزعم العلمانيون.


وتشير الإحصاءات أيضاً إلى أن المسلمين سيتزايدون بمعدل أعلى مقارنة بأي مجموعة دينية أخرى في العالم. وأن ما يقرب من مائة دولة من دول العالم ــ بما فيها كل الدول الأوربية تقريباً ــ تنخفض نسبة الخصوبة لديها إلى ما دون مستوى الإحلال المتعادل بين المواليد والوفيات، بخلاف معدل الخصوبة المرتفع في مختلف البلدان الإسلامية. وهذه الحقائق كلها تعمل في اتجاه معاكس لما يؤكده أنصار العلمانية المتطرفون.


تقرير مركز بيو


مركز بيو (الأمريكي) أجرى بحثاً حول هذه المسألة في أبريل 2016م وتوصل إلى: أن الرقم الإجمالي للذين لا ينتمون لديانة معينة (يشملون: الملحدين، والماديين، أو اللادينيين) من المتوقع أن يرتفع من 1.1 بليون في سنة 2010 إلى 1.2 بليون في سنة 2050، ولكن هذا النمو سيحدث في الوقت نفسه الذي سيزيد فيه عدد الجماعات الدينية بمعدل أسرع، إضافة إلى زيادة السكان في العالم بشكل عام”.


هذه الاستنتاجات التي تأخذ في اعتبارها العوامل الديمغرافية مثل: نسبة الخصوبة، ومتوسط الأعمار المتوقع؛  تشير حسب مركز “بيو” إلى أن الذين لا يتبعون أي دين سوف يشكلون حوالي 13% فقط من سكان العالم في سنة 2050 وهي نسبة أقل مما كانت عليه في سنة 2010 وهي 16%.


وهذا يعزى إلى حد كبير إلى أن الذين لا ديانة لهم هم غالباً أكبر سناً؛ فبموتهم يقل عددهم، وأن لديهم عدداً أقل من الأبناء مقارنة بالذين يعتنقون ديانة معينة، وبافتراض أن أبناءهم سيتبعونهم في موقفهم اللاديني فإن نسبتهم تظل صغيرة. وهذا ما أكده فيليب لونجمان (من كبار علماء الديمغرافيا في الولايات المتحدة)؛ حيث يذهب إلى أن معتنقي الأديان لديهم أسر ذات عدد أكبر من الأبناء، مقارنة بغير المتدينين. بينما الأسر التي ليس لديها أطفال أو ذات الطفل الواحد دائماً هي التي تعتبر نفسها غير مؤمنة بإله أو هي بلا دين بصفة عامة.


ويرى أن المتدينين في طريقهم لوراثة المجتمع بشكل تلقائي وطبيعي عبر العالم. هذا ما قاله فيليب لونجمان الذي يصف نفسه بأنه غير كنسي/ليس متديناً. ويرى أيضاً أن إجمالي سكان الغرب سوف ينخفض أو يثبت في أفضل التقديرات  لمدة معينة، ولكن الذين سيبقون لن يكونوا بالضرورة من المؤمنين بالله أو بالأسرة حسب التعاليم الدينية.


والحاصل هو: أن الغربيين يتناقصون بمعدل مرتفع، والمهاجرون/المسلمون يتزايدون بمعدل مرتفع.


ينتهي كاتب الأوبزيرفر إلى أن التقارير التي تتحدث عن موت “الدين” هي تقارير تحمل قدراً كبيراً من المبالغة، وأن كثيرين ممن يرون أن المعركة في الواقع هي بين العلمانية والدين مخطئون، وأن الذين يؤكدون أن المستقبل سيكون للعلمانية وحدها هم واهمون؛ لأن المستقبل سيكون -مثلما كان في الماضي- هو: متى سيسود الدين وأين؟.


هذا نمط من الكتابة التي تغص بها وسائل الإعلام الغربية. وعلينا أن ننتبه إليها، وأن ندقق فيها كي نميز بين ما يبدو أنه موضوعية وحيادية، وما هو من قبيل الاستثارة لمشاعر الخوف من المسلمين والتحريض ضد وجودهم سواء في بلادهم التي يعانون فيها من الاستبداد والظلم، أو في مهاجرهم إلى المجتمعات الأوربية والأمريكية (الحرة) التي يعانون فيها الإقصاء والحرمان والاستبعاد.


—–


* المصدر: المصريون.


 



تهديدات لنائبة كندية لطرحها مشروع قانون يدين الإسلاموفوبيا
dawahskillsar

وكالات


أعلنت برلمانية عن الحزب الليبرالي الكندي تلقيها رسائل تهديد وإهانة على خلفية طرحها مشروع قانون على البرلمان يدين كافة أشكال “الإسلاموفوبيا” والتفرقة الدينية والعنصرية الممنهجة.


وقالت النائب “إقرا خالد” خلال كلمة بالجمعية العامة للبرلمان، الجمعة الماضية: “تلقيت أكثر من 50 ألف رسالة كراهية تتضمن إهانات وألفاظا نابية، منذ طرحي الخميس الماضي مشروع قانون على البرلمان يدين كافة أشكال الإسلاموفوبيا والتفرقة الدينية والعنصرية الممنهجة”.


وأضافت: خشيت على سلامة الموظفين في مكتبي؛ لذلك طلبت منهم إقفال الباب من خلفي وتجاهل الاتصالات ليتفادوا سماع التهديدات والخطابات المليئة بالإهانات والكراهية بشكل لا يُصدّق.


وقدّمت خالد -النائب عن مدينة ميسيساغا- أمثلة عن رسائل الكراهية التي وصلتها على خلفية مشروع القانون.


وتابعت: أبشع تلك الرسائل نُشرت عبر مقطع فيديو بموقع يوتيوب.


وأشارت إلى أن ناشري الفيديو وصفوها بـ”المتعاطفة مع الإرهابيين، والمثيرة للاشمئزاز”، وأحدهم قال: لن أساعدهم على قتلك ولكني سأكون هناك لألتقط صورك وأنت تبكين، وسأروي قصّتك على أنك قُتلت على يد كنديٍ وطني.


ومن الرسائل التي تلقتها خالد: اقتلوها، لأنها تعيش هنا لتقتلنا، إنها مريضة ويجب ترحيلها خارج البلاد، سنهدم مساجدكم ونضع أنقاضها فوق رؤوس المسلمين، لماذا لا تغادرين بلادي؟ أنت قمامة مثيرة للاشمئزاز.


إشادة حكومية


من جانبها، أشادت وزيرة الثقافة الكندية مالينا جولي بمشروع القانون.


وقالت خلال مؤتمر صحفي عقدته خالد الخميس الماضي: جميع نواب الحزب الديمقراطي في البرلمان سيدعمونها.


وعقب الإعلان عن مشروع القانون، دعا المجلس الوطني لمسلمي كندا في بيان جميع نواب البرلمان إلى التصويت لصالحه.


وتزايدت مخاوف المسلمين في كندا بسبب تصاعد جرائم الكراهية، عقب الهجوم المسلح على مسجد كيبيك، في 29 يناير الماضي، وأعقبه بعد 4 أيام هجوم آخر على مسجد في مدينة مونتريال نفذه مجهولون، استخدموا فيه الحجارة والبيض.



النموذج الإسلامي للثقافة العربية
dawahskillsar

د. محمد عمارة


ينهض “النموذج” بدور محوري في تحديد “الأسوة والقدوة”، التي تنهض بدور البوصلة المحددة والمرشحة لتوجهات الإنسان في مختلف ميادين الحياة.. ففي الأسرة “نموذج الأب”، وفي الأمة “نموذج البطل”، وفي التاريخ “نماذج الانتصارات”، وفي العلاقات الدولية والإقليمية “نموذج الوطن”، وفي العقائد والأيديولوجيات “نموذج الدين”… إلى آخر “النماذج” التي تأسر الإنسان على توجُّه بعينه وطريق بذاته عند مفترق الطرق، وتعدد الخيارات.


وفي اللحظة التي يتم فيها اختيار “النموذج”، يحدث الإفصاح والإعلان عن انتماء “الذات” ومن ثم تميزها عن “الآخر”، الذي عدلت عن اختياره نموذجًا في هذا الميدان من ميادين الاختيار.


والميدان الثقافي ليس فقط مجرد واحد من هذه الميادين التي يتم فيها اختيار الإنسان نموذجًا دون آخر، بل إن “النموذج الثقافي ” يكاد أن يكون بعد اختياره، والانتماء إليه، والولاء له، المعيارَ الذي يحدد ويرجح “النماذج ” التي يختارها الإنسان في العديد من المجالات والكثير من الميادين، فالثقافة التي صنعت هوية الإنسان هي الموجِّه لاختياراته النماذج الأسوة ومناهج القدوة والمثل والمعالم التي تجعله يوالي هذا ويعادي ذاك، وينشط لهذا المقصد ويعدل عن سواه، ويضحي في هذا السبيل ولا يلتفت إلى ما عداه، و”النموذج الثقافي” هو محدد “النموذج المستقبل” الذي يسعى الإنسان لصنعه، وتحقيقه في الواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه. الذات والآخر.. ثقافيًّا وإذا كان الله، سبحانه وتعالى، قد خلق الناس جميعًا من نفس واحدة، فقد اقتضت حكمته، وحتى يتم استباق الناس على طرق الاستعمار للأرض، وتنافسهم في تحصيل المنافع، وتدافعهم لحيازة الخيرات المادية والمعنوية، شاء، سبحانه أن تتوزع البشرية إلى تعددية في الشعوب والقبائل والأمم والألسن والألوان والمناهج والشرائع، ومن ثَمَّ في القوميات والثقافات.


وإذا كانت “الذات” إنما تُعَرَّف بالسمات الثوابت التي تميزها عن “الآخر”، وليس بالمشترك الذي يجمعها بهذا “الآخر”. وبما أن واقع أمتنا العربية الإسلامية، الحديث والمعاصر، هو واقع الاحتكاك والتدافع الثقافي والحضاري مع النموذج الغربي تحديدًا، ودون أي “آخر ” سواه، فإن الحديث عن “الذات ” و”الآخر”، ثقافيا، لا بد أن يقود إلى تحديد المعالم المميزة للنموذج الثقافي الإسلامي عن النموذج الغربي، دون أن يعني ذلك إنكار ميادين المشترك الإنساني العام في العديد من العلوم والمعارف التي لا تدخل حقائقها وقوانينها وثمرات معارفها وتجاربها في “المميز للذات الثقافية”، وإنما تدخل في “الجامع ” الذي تتفاعل فيه وتتشارك “الذوات الثقافية ” للإنسانية جمعاء.


الإسلام مكوّن ذاتيتنا الثقافية


فالإسلام هو المكون لذاتيتنا الثقافية، والمحدد لمعالم نموذجنا الثقافي، وتميزنا عن “الآخر ” الغربي قائم فقط حيث يكون التميز والافتراق؛ الأمر الذي يجعل علاقة نموذجنا الثقافي -الذات الثقافية- بالآخر هي علاقة “التميز والتفاعل”، التي هي وسط عدل متوازن بين غلوَّين: غلو الإفراط، الذي يرى هذه العلاقة علاقة “قطيعة وتضاد”، وغلو التفريط، الذي يراها علاقة “مماثلة ومحاكاة “. فكما تميز “البصمة ” الإنسان عن بني جنسه، مع اشتراكه معهم في جنس الإنسان، كذلك تتميز الذات الثقافية للأمة عن الذوات الثقافية الأخرى، بتميز النماذج التي يجمع كل منها معالم المغايرة والسمات الفارقة لنموذج ثقافي عن سواه، وذلك دون إنكار أو إغفال لميادين الاشتراك الإنساني في كثير من حقائق وقوانين الكثير من التجارب والخبرات والعلوم والفنون.


كلٌّ يأخذ بحساب


والمسلمون انفتحوا على الحضارة الهندية، لكنهم أخذوا عن الهنود الفلك والحساب، دون الفلسفات والثقافات، وكذلك صنعوا في انفتاحهم على الفرس، عندما أخذوا عنهم التراتيب الإدارية، ورفضوا مذاهبهم الفلسفية وعقائدهم الدينية، وعن الرومان البيزنطيين أخذوا تدوين الدواوين، ولم يأخذوا القانون، وكذلك الحال في الانفتاح على تراث الإغريق، فلقد أخذ المسلمون العلوم التجريبية التطبيقية المحايدة، وأهملوا النظر في إلهيات اليونان، بل أهملوا النظر في الآداب الإغريقية لما حملت من أساطير وثنيتهم ولما جسدت من روح الوثنية في ذلك التراث. وذات القانون نراه فاعلاً إبان انفتاح النهضة الأوروبية على تراثنا الإسلامي، فلقد أخذوا العلوم التجريبية، التي طورها المسلمون، وأخذوا إبداع أسلافنا في المنهج التجريبي والملاحظة والاستقراء، وهو الذي فتح به المسلمون باب التجاوز للقياس الأرسطي، لكنهم -الأوروبيين- لم يأخذوا نموذجنا الثقافي الإسلامي، بل أحيوا النموذج الإغريقي مع استلهامهم من تراثنا العلوم الطبيعية والمنهج التجريبي، فنهضوا كامتداد متطور للإغريق والرومان، ولم يقفوا من نموذجنا الثقافي الإسلامي موقف المحاكاة.


نموذج ابن رشد


كان تعامل النهضة الأوروبية مع فيلسوفنا أبي الوليد ابن رشد -الحفيد- (520 – 595هـ/ 1126 – 1198م) نموذجًا لإعمال هذا القانون الذي حكم العلاقة الصحية والطبيعية بين النماذج الثقافية المتميزة للأمم المختلفة، فأخذوا “ابن رشد: الشارح لأرسطو ” -لأن هذه بضاعتهم ردت إليهم- ورفضوا بل وأصدروا مراسيم التحريم على “ابن رشد: الموفق بين الحكمة الإنسانية وبين الشريعة الإسلامية”، و”المتكلم، الذي أقام العقيدة الدينية على العقلانية المؤمنة”، و “الفقيه الذي كان يقضي بين الناس بشريعة الإسلام وفقهها ” لأن هذا النموذج الثقافي الإسلامي، أو “الرشدية الإسلامية ” كان مغايرًا للنموذج الثقافي “للرشدية اللاتينية ” تلك التي استبدلت العلمانية باللاهوت، وألّهت العقل، عندما أصبحت عبارة “لا سلطان على العقل إلا العقل ” هي شعار فلسفة التنوير! بل إن بواكير نهضتنا الحديثة، وخاصة تجربة مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي تحت حكم محمد علي باشا الكبير (1184 – 1265هـ/ 1770 – 1849م)، جسدت إعمال هذا القانون في علاقة الذات الثقافية ونموذجها بالآخر الثقافي ونموذجه. فرفاعة رافع الطهطاوي (1216 – 1290هـ/ 1801 – 1873م) هو الذي دعا إلى التتلمذ على أوروبا في “العلوم الحِكْمِيَّة العملية، والمعارف البشرية المدنية التي لها مدخل في تقدم الوطنية، لأنها، وإن ظهر الآن أنها أجنبية، هي علوم إسلامية، نقلها الأجانب إلى لغاتهم من الكتب العربية، ولم تزل كتبها إلى الآن في خزائن ملوك الإسلام كالذخيرة” فدعا رفاعة الطهطاوي إلى التفاعل مع معارف وحقائق هذه العلوم مع إحياء النموذج الثقافي الإسلامي “بنشر السُّنة الشريفة، ورفع أعلام الشريعة المنيفة” بل لقد أكد الطهطاوي تميز النموذج الثقافي الإسلامي عن النموذج الأوروبي، عندما قال: إن لهم في “الفلسفة حشوات ضلالية مخالفة لسائر الكتب السماوية، وهم من الفِرَق المحسِّنَة والمُقَبِّحة بالعقل والنواميس الطبيعية وحدهما.. أما نحن المسلمين فليس لنا أن نعتمد على ما يُحَسِّنَهُ العقل أو يُقَبِّحَهُ إلا إذا ورد الشرع بتحسينه أو تقبيحه، فتحسين النواميس الطبيعية لا يعتد به إلا إذا قرره الشرع”.


فعندما تكون العلاقة صحية، وقائمة على الاختيار الحر، وعلى التكافؤ، بين الحضارات، ينهض النموذج الثقافي بدور المعيار الذي يحدد نطاق “التفاعل، والاستلهام”، وحدود “التمايز، والخصوصية”، فتكون العلاقة الصحية والطبيعية بين “الذات ” وبين “الآخر ” في الميدان الثقافي.


ولهذا الوضوح في تميز النموذج الثقافي الإسلامي عن النموذج الأوروبي، عند الطهطاوي، وفي تجربة مصر على عهد محمد علي، رأينا الطهطاوي عقب عودته من باريس سنة 1931م يقدم إلى المطبعة مشروعين لقائمتين من الكتب: مشروع لإحياء أمهات كتب التراث الإسلامي، ومشروع لترجمة علوم التمدن المدني الأوروبي الحديث، ووجدنا كذلك، جميع المبعوثين الذين ابتعثتهم الدولة إلى أوروبا في عهود محمد علي، وعباس، وسعيد يذهبون للتخصص في العلوم الطبيعية التي تغير الواقع، ولم يذهب منهم مبعوث واحد ليدرس الإلهيات أو الآداب والفنون أو الإنسانيات التي تصوغ وجدان الإنسان وتشكل عمران النفس الإنسانية؛ لأن هذه المهمة هي اختصاص النموذج الثقافي الإسلامي دون سواه!


فلما انتكست التجربة، وهيمن الاستعمار، انعكست الحال، فحرمنا من العلم الأوروبي الذي نحتاج، وأُمطرنا بألوان النموذج الثقافي “الآخر” بدلاً من نموذج “الذات”!.


_____


* المصدر: إسلام ويب.



المجتمع الإسلامي الحي
dawahskillsar

د. محمد محمد بدري


الفكرة الصحيحة قاعدة المجتمع الحي


الفكرة الصحيحة هي القاعدة التي يقوم عليها المجتمع الحي، والولاء الشامل لهذه الفكرة هو الأساس الذي تقوم عليه شبكة العلاقات الاجتماعية بين أفراد ذلك المجتمع، فإذا انهارت الفكرة الصحيحة، وقامت شبكة العلاقات الاجتماعية بين الأفراد طبقًا


لمحاور الولاء الفردي والعشائري والإقليمي، دار الصراع في داخل المجتمع نفسه ومزقه إلى شيع يذيق بعضها بأس بعض.. ومن ثم ضعف المجتمع في الداخل، وفقد المناعة في الخارج، بل وتحول إلى مجتمع ميت يطمع فيه الآخرون وتتداعى عليه الأمم.


ولقد شهد تاريخ الأمة الإسلامية هذين النوعين من المجتمعات:


فأما المجتمع “الحي” فقد رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، واستطاع بحيويته وفاعليته أن يطرق أبواب أوروبا غربًا، ويقتحم الشرق حتى أقصاه! وفي كل هذه البلاد، استطاع الإسلام بمجتمعه “الحي” أن يُذيب الحضارات الأخرى ويصبغها بالصبغة الإسلامية، لينشئ من مجتمعاتها “أمة” قوية تقوم على تحقيق العدل الرباني في واقع الأرض.


وحين قصّر المسلمون عن تنفيذ أمر ربهم، وانهارت وحدة العقيدة في الحياة الفكرية الإسلامية، انهار مفهوم الأمة الإسلامية وحلت محله مفاهيم العصبية والإقليمية والعشائرية والمذهبية، حتى إن العصبية أصبحت تفرق بين أحياء المدينة الواحدة!! واختفت الموازين الإسلامية وسيطرت الأهواء والشهوات. ولقد أثر ذلك كله في ميادين الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية فأفسدها وأضعف مقومات المجتمع، بل وحوله إلى مجتمع (ميّت) وأمة ميتة تتداعى عليها الأمم من كل مكان لتعلن نبأ موتها وتقوم بمهمة الدفن!


وقد تحدّث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مراحل صحة الأمة الإسلامية ومرضها وموتها فقال: “إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوة، ثم يكون رحمة وخلافة، ثم كائن ملكًا عضوضًا، ثم كائن عتوًا وجبرية وفسادًا في الأرض، يستحلون الحرير والفروج والخمور، ويرزقون على ذلك وينصرون، حتى يلقوا الله عز وجل”.


ولا شك أنه لا خلاص للأمة الإسلامية من واقعها الأليم إلا أن تعود إلى الله، فتعبده حق عبادته، وتنشئ على أساس هذه العبادة مجتمعًا حيًا يقوم على المفاهيم الصحيحة وتوجه القيم السليمة والعمل الصالح علاقات أفراده وجماعاته وتحكم سلوكهم ونشاطاتهم.


ولكي ينشأ هذا المجتمع الحي، لا بد من طليعة مؤمنة قادرة على أن توفر للمجتمع الإسلامي تكاملية جهود أفراده، في سبيل تقدم الأمة الإسلامية، بدلًا من إهدارها في الصراعات الإقليمية والاجتماعية.


ولا تستطيع الطليعة المؤمنة القيام بدورها في إحياء المجتمع الإسلامي، إلا إذا شكّلت في نفسها وفي واقعها (نواة) هذا المجتمع في صورة «أفراد مسلمين خاضعين لتصورات وقيم ومفاهيم ومشاعر وتقاليد وعادات المجتمع الإسلامي الحي، وفي ذات الوقت لا بد أن يكون بين أفراد هذه (النواة الاجتماعية) تفاعل وتكامل وتناسق وولاء، وتعاون عضوي، يجعل كل فرد يتحرك للمحافظة على وجود مجتمعه، والدفاع عن كيانه والقضاء على عناصر الخطر التي تهدد وجوده في أية صورة من صور التهديد».


ومثلما تمتص البذرة الحية ما حولها من أغذية، فإن الطليعة المؤمنة -النواة الاجتماعية الحية- تمتص ما حولها من إمكانات الأمة، وتذيبها في بوتقتها، وتوجهها في طريق إحياء الأمة الإسلامية وبناء حضارتها.. فالنواة الاجتماعية التي تتصف بالحياة هي المكوّن الأول لـ (الخلية الحضارية) التي يتكون منها ومن غيرها من الخلايا الجسم الحي للمجتمع الإسلامي، والبناء الحضاري للأمة الإسلامية.


وهكذا هي نشأة المجتمع الإسلامي الحي، تبدأ بنواة اجتماعية صغيرة تتسم بالحيوية والفاعلية والقدرة على الجذب والاستقطاب، وتتحرك هذه النواة في صورة نبتة اجتماعية متماسكة، فتجذب الأفراد الأكثر نشاطًا وتقوى وفداء بين أفراد المجتمع الكبير (الميت) الذي يحمل بين طياته عوامل فنائه من العفن الخلقي والشقاء المعيشي، ولا يملك القدرة على التحدي والمواجهة. فإذا تجمع حول النواة الاجتماعية (صفوة) الفكر والتجارب وخيرة القدرات والإمكانات، تحولت النواة الاجتماعية الصغيرة إلى قوة هائلة تمتلك اتخاذ القرارات الحاسمة، وتمتلك القدرة على تحدي أعدائها، وعندها يتهاوى شيئًا فشيئًا ذلك المجتمع الميت في تيار المجتمع الإسلامي الحي، ويكون الانبعاث الإسلامي.


وهذا المنهاج لنشأة المجتمع الإسلامي، وإحياء الأمة الإسلامية يفرض واجبات على الحركة الإسلامية، وفي ذات الوقت على الأمة الإسلامية.


فأما الحركة الإسلامية فيفرض عليها منهاج نشأة المجتمع الإسلامي، أن تسعى دائمًا لاختراق الحجب التي يصطنعها أهل الباطل ليحولوا بينها وبين جماهير الأمة، كما تسعى لتوعية تلك الجماهير برسالتها في التغيير.


ولا بد للحركة الإسلامية أيضًا أن تُثرى أيديولوجيتها بمزيد من الوعي والدراسة المضنية للشرع والواقع بحيث تفرز هياكلها وكوادرها من الطلائع القادرة على استيعاب طاقات الأمة وحشدها للوصول إلى الأهداف الإسلامية.


ولا بد للحركة الإسلامية أن تُربي أفرادها على أنه «ينبغي أن يتفوق (الواجب على الحق) حتى تستطيع الحركة الإسلامية أن تنمو وتصعد وتتطور، وحتى يكون لديها (فائض جهد) من هذا الواجب الذي يمثل أمارة التقدم الحضاري في كل طليعة تشق طريقها نحو إحياء الأمة».


ولا بد للحركة الإسلامية قبل ذلك وبعده أن تحتوي الممارسات السطحية والهامشية وتُحجم التيارات الانهزامية والسلبية في الأمة، لتبدأ مسيرة الحركة الإسلامية الطليعية التي تتبنى الانفتاح وليس الانغلاق، وتنوع مصادر التعلم وليس الاحتكام إلى فكر شخص معين أو تيار معين، والولاء العام للأمة الإسلامية وليس الولاء الحزبي الضيق للجماعة أو الحزب، والدعوة إلى الائتلاف وليس السقوط في شرك الفرقة والتجزئة.


مقتضيات المجتمع المسلم


وأما الأمة الإسلامية، فإن منهاج نشأة المجتمع الإسلامي يفرض عليها أن تضع الطلائع المؤمنة فيها في أحصن المواقع، لتقوم هذه الطلائع بدورها المرتقب في إحياء المجتمع الإسلامي، وحمل رسالة الأمة الإسلامية لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.


كما لا بد للأمة الإسلامية في الوقت ذاته أن تدرك أن الطلائع المؤمنة لا يمكن أن تقوم بدورها إلا إذا كانت تستند إلى الأمة الواعية المتسلحة بالبصيرة في حركتها فلا تضطرب ولا تزل، ولذلك فلا بد «أن يكف أفراد الأمة عن ترديد أنشودة العجز الخالدة (ما يطلع بأيدينا شيء)!! تلك الأنشودة التي تمثل حاجزًا سحريًا يشل المسلم ويمنعه من تأدية واجبه المستطاع، وممارسة عمله بطريقة تدفعه إلى النمو في كل يوم… بل على كل فرد في الأمة أن يدرك أن عمل المستطاع اليوم يجعل ما ليس مستطاعًا اليوم مستطاعًا في المستقبل..


فالإنسان إذا ملأ يومه بالعمل بما في وسعه فإن غده سيعطيه وسعًا جديدًا فيصير غدًا مستطيعًا لما لم يكن يستطيعه اليوم» فإذا لم يكن باستطاعة أفراد الأمة تغيير واقعها اليوم، فلا أقل من أن يتوارثوا مشعل التغيير من خلال تجمعاتهم وخلاياهم الحضارية، فيقوموا ببذر البذور الطيبة للطلائع المؤمنة التي تبقى في انتظار الظروف المواتية للتغيير.. ثم تخرج من رحم الأمة وتُحدث الانبعاث الإسلامي.


إن العمل الإسلامي ليس حكرًا على الحركات الإسلامية، والمسؤولية عن الإسلام والمسلمين هي مسؤولية كل من شهد ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله على تفاوت في الدرجات بتفاوت الاستعدادات والقدرات، والمواقع والظروف.. ولا يجوز لمسلم أن يُقصّر في النهوض بمسؤوليته على أفضل ما يستطيع، بل الواجب على كل فرد أن يبذل وسعه في سبل الخروج بالأمة الإسلامية من أزماتها، وحملها لرسالتها، ودور الطليعة المؤمنة في ذلك هو «تنظيم (وسع) الأمة – أي طاقاتها وقدراتها المعنوية والمادية والبشرية، والتنسيق بينها بما يكفل حشدها وتكاملها – دون هدر أو نقص – لتحقيق أهداف الرسالة» عبر إنشاء المجتمع الحي الذي يدفع بالأمة الإسلامية إلى التقدم والقوة والريادة البشرية.


وبكلمة: لكي تستطيع الأمة الإسلامية حمل رسالتها إلى الإنسانية بالخروج من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، لا بد أن يكون المجتمع الإسلامي مجتمعًا حيًا، يقوم على الفكرة الصحيحة، وتوجه القيم السليمة والعمل الصالح علاقات أفراده وجماعاته وتحكم سلوكهم ونشاطاتهم. ولا سبيل إلى نشأة هذا المجتمع الحي إلا أن توجد في الأمة طليعة مؤمنة تمثل النواة الاجتماعية الحية للمجتمع الإسلامي المنشود، فإذا وجدت هذه النواة، فإنها لا تلبث بحيويتها ونشاطها أن تكبر حتى تحطم الطغاة وتفرض نفسها على الساحة الاجتماعية للأمة، وتكون هذه هي بداية الانبعاث الإسلامي. ومن هنا فإن قيادة الطليعة المؤمنة للأمة الإسلامية أمر تشترطه أسس التغيير، وتستدعيه متطلبات التمكين.


___


* المصدر: المجلس العلمي.



كيف نعطي صورة صحيحة عن الإسلام والمجتمع المسلم؟
dawahskillsar

كيف نعطي صورة إيجابية تعبر عن حقائق ديننا، أو ما ينبغي أن يكون عليه المسلمون في مجتمعهم؟


وهذا ما يمكن أن تناوله من خلال الخطاب الكلي للإسلام، ومن خلال جزئيات بدهية ومعروفة ومهمة جدا.


الدكتور محمد سيعد حوى يتناول بعض مظاهر تحقيق هذه الصورة الإيجابية في خطبة الجمعة التالية:




الشطي: "مهارات الدعوة".. مورد عذب للمتخصصين والمبتدئين
dawahskillsar

قال نائب المدير العام للعلاقات العامة والموارد بجمعية النجاة الخيرية د.جمال الشطي: إن موقع مهارات الدعوة الذي أطلقته لجنة الدعوة الإلكترونية منذ ثلاث سنوات باللغتين العربية والإنجليزية، أصبح مرجعا إلكترونيا فريدا ومميزا يرجع إليه جميع من لديهم


د. جمال الشطي نائب المدير العام لجمعية النجاة


العلم الشرعي أو عندهم الرغبة والقدرة على نشر رسالة الإسلام.


وأوضح الشطي في تصريحات صحفية نقلتها عنه جريدتا الأنباء والوطن الكويتيتان.. أن الدعاة وطلاب العلم هم الثروة الحقيقية والانحياز الأول الذي ترغب اللجنة في الاستثمار فيه؛ فالعنصر البشري هو أهم مقومات نجاح وتفوق النشاط الدعوي الإسلامي على الإطلاق، فهو الذي يعرض هذه المصادر والمرجعيات الربانية لعموم الناس الراغبين في دخول الإسلام، ويجب تنمية مهاراته بما يتوافق ويتطابق مع متطلبات العصر الحديث الدعوية والتربوية.


الملفات الدعوية


وأشار إلى أن الموقع يضم العديد من الأقسام التي راعت اللجنة فيها أن تتناسب مع كل مستويات رواد الموقع العلمية والدعوية، ما يجعل من الموقع موردا شاملا شديد العذوبة ينهل منه جميع المتخصصين والمبتدئين من جميع الأعمار السنية على اختلاف تناولاتهم الدعوية والفئات التي يوجهون إليهم خطابهم الدعوي.


وذكر أن اللجنة بعد الدراسة الوافية لواقع الدعوة والدعاة الآني، اهتمت بأن تجعل لكل حدث دعوي -سواء كان إقليميا أم عالميا أم تاريخيا أم يناقش الواقع الدعوي- ملفا دعويا منفصلا جمعت فيه جميع ما ورد عن هذا الحدث الدعوي من موضوعات ومقالات دعوية مزودة بالوسائط الدعوية المرئية والمسموعة والمكتوبة، وفق أساليب دعوية تتناسب مع المهتمين بهذا الحدث الدعوي بالذات، وتختلف في تناولها عن الأساليب التي تتناول غيره من الملفات الدعوية الأخرى، مثمنا الجهود والدعم اللامحدود الذي يقدمه فريق العمل القائم على هذا المشروع الدعوي الرائد.



إلى الغاية القصوى وإن شئت فازدد (شعر)
dawahskillsar

الشاعر أحمد محرم



إلى الغاية القصوى وإن شئتَ فازددِ ***  وما يكُ من صعب فذلِّل ومهَّدِ


هي الهمة اشتدت فما من هوادة *** وإن خيف شر الحادث المتشدد


إلى المظهر الأسمى فما لك دونه *** معاجٌ ولا للصحب من متردد


إلى ما وراء العزم إلا لاح مطلب *** هنالك أو شاق المنى وجه مقصد


بنا ظمأ يا فتح ما حان موعد *** من الورد إلا ارتد عنه لموعد


تطاول حتى ما يُبلُّ غليله *** سوى المورد الأقصى فكبِّر وأورد


أتفهق بالري الحياض لأهلها *** ونحن نعاني غلة الحائم الصد


أغثنا بشرب كالذي ذاق قومنا *** فكان لهم نورا به الروح تهتدي


له قطرات من سنا الوحي أشرقت *** من الحسن إشراق الجمان المنضد


تطالع آفاق الحياة وتنتحي *** ثواقب ترمي كل أفق بفرقد


بهاتيك فاهدِ القوم يا فتح واتخذ *** لهم في ذراها مصعدا بعد مصعد


أراهم حيارى لا يصيبون هاديا *** وفيهم كتاب الله يا فتح فاشهد


تباركت ربي أنت علمتنا الهدى *** تباركت من هاد أمين ومرشد


فتى الفتح هذا ما ورثت من التقى *** عن المورثينا كل مجد وسؤدد


أرى كل ميراث جليل محببا *** ولا مثل ميراث النبي محمد


فذلك كنز الدهر من يك جاهلا *** فعندك علم العبقري المسدد


أقم من بناء الله كل مهدَّم *** إذا القوم هدوا كل عال ممرد


ألست ترى القوم الذي تألبوا *** على دينه من خارجي وملحد


أرى أمة تأبى على كل مصلح *** وتلقي بأيديها إلى كل مفسد


مبددة الأهواء لم تستقم على *** سبيل ولم تأخذ برأي موحد


لكل فريق سامري يضله *** بعجل تراه العين في كل مشهد


كأنك إذ تبغي الهدى أو تقودها *** إلى الحق ترميها بصماء مؤيد


أعدها إلى الإسلام إن كنت تبتغي *** لها الرشد واصرفها عن الغي والدد


أهبت بها ردي عنانك وارجعي *** فإن يك منها مرجع فكأن قد


دعوتك ربي فارزق الفتح أمة *** يريها سجايا الفاتحين فتقتدي


بنى كل جياش القوى ووهت يدي *** فما أنا بالباني ولا بالمجدد


لك الأمر ما رشد الشعوب إذا غوت *** علي ولا أمر الممالك في يدي



البشير: لهذه الأسباب.. مستقبل مسلمي أفريقيا الوسطى مزدهر جدا
dawahskillsar

أدار الحوار: هاني صلاح


شدد د. محمد البشير أحمد موسى -الباحث في الدراسات الأفريقية والقانونية والذي صدر له عدد من المؤلفات التي تعنى بالشأن الأفريقي- على أن ما تعرض له المسلمون في أفريقيا الوسطى جريمة ضد الإنسانية تمت بتواطؤ ودعم دولي وإقليمي، وأن إعادة المسلمين إلى وضعهم السابق يتطلب عددا من البرامج والمشروعات الضرورية..


ضيف الحوار

مؤلف كتاب مسلمو أفريقيا الوسطى.. ألم وأمل


وعلى الرغم من كل ما جرى، فقد تفاءل صاحب كتاب “مسلمو أفريقيا الوسطى.. ألم وأمل ”  بمستقبل المسلمين في هذه الدولة التي تقع في قلب القارة السمراء، ووصفه بأنه: سيكون “مزدهرا جداً”، مرجعا ذلك إلى أن الأزمة “من حيث الجانب السياسي في طريقها إلى الحل”، مؤكداً على أن: وضع المسلمين “لن يكون كما كان قبل الأحداث الأخيرة”..


جاء ذلك في سياق حوار: (المسلمون في أفريقيا الوسطى.. بين تحديات الواقع وتطلعات المستقبل)، وهو الحوار الثاني على الموقع الإلكتروني لـمجلة (المجتمع) بالتشارك مع “مبادرة حوارات الأقليات المسلمة على الفيسبوك”، والذي يُجرى على الصفحة العامة للحوارات بعنوان: “الإسلام والمسلمون في العالم”.


كما تطرق الضيف خلال حواره مع الجمهور إلى نبذة سريعة عن واقع الأقليات المسلمة في أفريقيا بشكل عام.


وإلى الحوار..


المشاركة الأولى.. من: هاني صلاح ـ منسق الحوار ـ وتتضمن سؤالين تعريفيين بالحوار:


1 ـ المحور الأول: التعريف بجمهورية أفريقيا الوسطى والمسلمين بها


أ ـ رجاء التكرم بالتعريف بجمهور أفريقيا الوسطى..


ـ الدولة والشعب .. كم عدد سكانها وما هي أبرز العرقيات التي يتشكل منها شعبها؟ وما أبرز الديانات هناك؟


أفريقيا الوسطى، بلد صغير لا تتجاوز مساحته (622,984كم2) يتوسط القارة الأفريقية، أصبح يشكل في السنوات الأخيرة بؤرة للصراعات الإقليمية والدولية، وأصبح يضاف إلى قائمة الدول الأقل استقراراً في القارة الأفريقية بسبب التهافت الدولي على أراضيه، لأنه يمتلك احتياطياً كبيراً من النفط والغاز والألماس والذهب.


عُرِفت أفريقيا الوسطى تاريخياً ضمن مجموعة أفريقيا الاستوائية، التي تتكون من الكاميرون والجابون والكونغو برازافيل وتشاد، فقد كانت تشكل معها ما يعرف بإقليم ” أوبانقي شاري”، قبل أن تتكون الدولة الحديثة فيها عام 1938م، وتشكل جمهورية أفريقيا الوسطى بدلاً من المسمى القديم ” أوبانقي”.


ومنذ تكون الدولة الحديثة في أفريقيا الوسطى عام (1938) ونيل استقلالها ضمن المجموعة الفرنسية في (13/8/1960)، بدأت تشهد أزمات بين نخبها السياسية، حيث وضعتها فرنسا تحت سيطرتها الكاملة باعتبارها مخزوناً استراتيجياً لها، لما تتمتع بها من خيرات هائلة.


المسلمون في أفريقيا الوسطى:


تعدُّ أفريقيا الوسطى من ضمن الدول التي يشكل المسلمون فيها أقلية، حيث يتراوح نسبتهم ما بين 17-20% من إجمالي عدد السكان البالغ عددهم (4.487.000) حسب إحصائية عام 2011م، ويتوزع المسلمون في عدد من المدن والمحافظات الرئيسة، أهمها العاصمة بانقي حيث يوجد قرابة خمسمائة ألف مسلم قبل أحداث ديسمبر 2013م، ومدينة بيربرتي، ومدينة إنديلي في الشمال، وقد انتشر الإسلام بنزوح عدد من سلاطين مملكة باقرمي الإسلامية في جنوب تشاد بعد سقوط مملكتهم إلى المنطقة الشمالية من أفريقيا الوسطى وخاصة مدينة إنديلي، وأنشأوا سلطنة إسلامية في نهاية القرن السابع عشر الميلادي في هذه المنطقة، فساهموا بشكل كبير في نشر الإسلام وسط الوثنيين هناك امتداداً لدورهم السابق في أسلمة جنوب تشاد، كما أن لسلطنة دارفور الإسلامية أثر كبير في أسلمة الجزء المتاخم للحدود السودانية الأفروسطية. وقد ساهمت الهجرات التي صاحبت الحروب الأهلية في تشاد، في دفع أعداد كبيرة من القبائل التشادية إلى الهجرة إلى أفريقيا الوسطى، مما ساهم في نشر الإسلام بصورة كبيرة في عدد من أهم المدن الأفروسطية وأكبرها العاصمة بانقي، حيث بنوا عددا كبيراً من المساجد والزوايا، والخلاوي القرآنية.


إلا أنَّ أقلية مسلمي أفريقيا يتميزون بصفات لا تتوافر لدى الأقليات المسلمة الأخرى في القارة، مما كانوا عرضة لانتهاكات منذ الاستقلال، بل معظم الذين تولوا سدة الحكم في أفريقيا الوسطى كانوا من القساوسة وذلك لمعرفة الكنيسة لأهمية هذه المنطقة ودورها في التغيير، بل اضطرت الكنيسة وفي أكثر من موقف أن تستجلب رؤساء من خارج إطار القبائل المعروفة في هذه الدولة ممن تربوا في كنفها كما في حالات بوكاسا وبوزيزي الذين قاد الحرب الشرسة الأخيرة ضد المسلمين، وذلك لعدم إتاحة الفرصة لهذه الأقلية من التمكين الديني والاقتصادي والسياسي.


القبائل والإثنيات المختلفة:


من أشهر القبائل التي تقطن في أفريقيا الوسطى القبائل الآتية:



  • قبيلتا: قولا، ورونقا، ويسكنون في شمال البلاد، وكلهم مسلمون بحكم أنهم أساس السلطنة الإسلامية في شمال البلاد، كما أنهم يشكلون الأغلبية في حركة “سيلكا” للدفاع عن المدنيين المسلمين، وتعد معظم النخب المتعلمة المسلمة في البلاد منها.

  • القبائل العربية في شمال البلاد التي هاجرت من تشاد، والسودان، ومن أشهرها : ” السلامات، والتعايشة ” .

  • قبيلتا: الفلاتا، والهوسا، في غرب البلاد على الحدود مع الكاميرون.

  • قبائل أفريقية: من أشهرها: الماندا والبايا، والسارا وهي التي كانت تحكم البلاد منذ الاستقلال، وتوجد معظمها في شمال البلاد. قبيلتا: الباندا، والسر، في الحزام الوسط، وجزء من الشرق، وقبائل: الزاندي، والأوبنجي، والأقزام في جنوب البلاد.

  • جماعات أخرى صغيرة موزعة في الوسط والجنوب.


ما أهميتها السياسية والاقتصادية.. وما مدى علاقاتها بالعالم الإسلامي؟


تعد أفريقيا الوسطى من حيث المسمى في قلب القارة الأفريقية، وهذا ما يجعلها من الدول ذات الأكثر تأثيراً في العلاقات بين المجتمعات المسلمة في الشمال، ومجتمعات الوثنيين والنصارى في الجنوب، مما جعلتها من حيث الأهمية السياسية ذات موقغ جغرافي مهم، وخاصة تواجدها في خاصرة كل من جمهورية تشاد، وجمهورية السودان متاخم لإقليم دارفور مما تعد دولة ذات أهمية استراتيجية للدول المسلمة حولها. ما أن الكنيسة وضعت خطاً وهمياً للفصل بين الشمال المسلم وجنوبه حيث الوثنيين والنصارى واعتبار أفريقيا الوسطى ذاك الخط الوهمي الفاصل.


ومن حيث الإمكانيات الاقتصادية فهي تعيش على مخزون وفير من المياه العذبة، وكذلك احتياطي كبير من النفط والألماس والغاز واليورانيوم وغيرها من المواد الخامة وخاصة في جزئها الشمالي حيث غالبية المسلمين، ولذا لم تعش تلك المناطق منذ الاستقلال أية حالة من حالات الاستقرار، حتى اجتياح المسلمين للعاصمة وسقوط العاصمة بانقي مما كان مهيأ أصلا لمرحلة أخرى أكثر خطورة وهي استئصال المسلمين جميعاً من هذه الدولة، ولكن باءت وبحمد من الله عز وجل تلك المحاولات الفرنسية والغربية بالفشل والخزلان.


ب ـ كذلك برجاء التكرم بإلقاء الضوء على مسلمي أفريقيا الوسطى من خلال توضيح


الخريطة العرقية لمسلمي أفريقيا الوسطى


يشكل المسلمون من الذين ينتمون إلى قبيلتي (القولا والرونقا) أكثر الإثنيات انتشاراً في شمال البلاد، ومن ثم القبائل ذات الأصول العربية التي تنتشر في الحد الشمالي الغربي مع جمهورية تشاد والمتمثل امتداداً طبيعياً لإقليم السلامات في جمهورية تشاد، وخاصة قبيلة السلامات، ويتواجدون أيضاً في الحد الشرقي المتاخم لجمهورية السودان حيث إقليم دارفور تحديداً قبائل مثل الرزيقات والمسيرية والتعايشة وغيرها من القبائل التي تنتشر في هذه المنطقة من العشائر التي وفدت من السودان، حيث إن هنالك عشائر أخرى انداحت من جنوب تشاد أيضاً من نفس القبائل، أما التواجد الآخر للمسلمين في المنطقة الغربية المتاخمة لدولة الكاميرون حيث التواجد الكثيف لكل من قبائل الفلاتا والبرنو والكانمبو، حيث استقرت مجموعات كبيرة من قبائل الفلاتة أثناء هجرتهم إلى الحج من المناطق الحدودية إلى شرق البلاد حيث حدود جمهورية السودان في شريط طويل يمر بالعاصمة وتنتهي في الحدود، تقل النسبة من مدينة إلى أخرى، ولكنهم في المدن الغربية يعدون الأكثرية المسلمة هناك، وفي الشمال أيضاً توجد قبائل الباقرمي، تلك المجموعات التي ساهمت في نشر الإسلام فيما يعرف اليوم بدولة أفريقيا الوسطى وكذلك القبائل المشتركة بين تشاد وأفريقيا الوسطى كالوداي والتاما وغيرها من القبائل المسلمة في الشمال، أو الشمال الشرقي من البلاد.


ـ الخريطة الجغرافية لمناطق تواجدهم في أفريقيا الوسطى


مما سبق ذكره بخصوص التقسيمات العرقية للمسلمين، يتبين لنا بشكل بسيط الخريطة الجغرافية لتواجد المسلمين، والشاهد في ذلك أن تمركز المسلمين يزداد في المناطق الشمالية والشرقية والغربية، ويقل كلما اتجهنا جنوباً.


ـ الخريطة الاجتماعية للمسلمين: الوضع التعليمي والوظيفي والاقتصادي بأفريقيا الوسطى


المسلمون في أفريقيا الوسطى من حيث الوضع التعليمي، فإن المستوى التعليمي ضعيف، وذلك لعدد من العوامل أهمها أن الهيمنة الكنسية للتعليم كانت أحد الأسباب الرئيسة، كما أن هنالك عوامل أخرى، بعضها مرتبطة بوضع المسلمين أنفسهم.


أما الجانب الاقتصادي فإنّ المسلمين كانوا هم الغالبية التي تمسك زمام اقتصاد البلاد، ولذا كانت الحملة موجهة لهم بشكل مباشر في الحرب الأخيرة، حيث دمرت البنية الاقتصادية للمسلمين، ومن ثمّ كان دماراُ لاقتصاد البلاد، ولذلك مع تأزم الوضع الاقتصادي، طلبت فرنسا والحكومة الانتقالية والحالية كبار التجار بالعودة والمساهمة في بناء الاقتصاد، بل خطت الحكومة خطوات كبيرة في اتجاه ذلك بتعيين وزير من المسلمين وزيراً للتجارة، لمعرفتها ومعرفة الدولة المستعمرة بأثر المسلمين في التنمية الاقتصادية في البلاد.


2 ـ المحور الثاني: التعريف بضيف الحوار


أستاذنا الفاضل/ د.محمد البشير.. نرجو التعريف بكم لجمهورنا قبل البدء في الحوار، من خلال:


أ ـ تعريف إنساني واجتماعي ووظيفي ودعوي..


الاسم / محمد البشير أحمد موسى، من جمهورية تشاد، عملت في العمل الخيري منذ أكثر من (16) سنة مع عدد من المنظمات الإنسانية والطوعية، وما زلت عضوا في بعضها حتى الآن، أحمل درجة الدكتوراه في القانون الدولي، باحث في الشأن الأفريقي والقانوني وخاصة القانون الإنساني، لي عدد من المؤلفات التي تعنى بالشأن الأفريقي، مثل كتاب : ” تشاد مقاربة لبناء دولة حديثة “، مسلمو أفريقيا الوسطى ـ ألم وأمل ” وغيرهما من المؤلفات، بالإضافة إلى عدد من المقالات المنشورة في عدد من المجلات الإسلامية والصحف .


ب ـ ما هي أهم المهام التي تقومون بها حالياً؟


إدارة عدد من المنظمات الإنسانية في كل من أفريقيا الوسطى، وزيمبابوي، وجمهورية تشاد .


ج ـ وما هي أبرز المسئوليات التي قمتم بها سابقاً؟


الإشراف على المؤسسة التشادية للتعليم والتدريب والتنمية البشرية.


المشاركة الثانية.. من: Bassam Hassan ـ وتتضمن ثلاثة أسئلة:


3 ـ ما تقييمكم لدور الدول والمؤسسات الإسلامية في التعاطي مع أزمة المسلمين في أفريقيا الوسطى؟


بحمد لله وتوفيقه ومن ثم بتعاون المنظمات الإسلامية الطوعية كان الاهتمام من قبل عدد من الدول الإسلامية بهذه القضية وكانت مواقفها مشرفة سواء أكانت من دول الجوار لدولة أفريقيا الوسطى أم دول الخليج وغيرها من الدول الإسلامية، بل خروج آلاف من المسلمين من ماليزيا إلى السنغال في مسيرات تضامنية كانت لها الأثر الأكبر في رفع معنويات المسلمين هناك وخاصة في مخيمات اللوجوء.


4 ـ هل أخطأ المسلمون في أفريقيا الوسطي باستعجالهم السيطرة على السلطة من خلال حركة سيليكا .. أم أن هذه الحركة ليس لها علاقة بالمسلمين وهي مجرد حركة معارضة مسلحة؟


هنالك خلط بين ما تعرض له المسلمون ووصول حركة سيلكا إلى سدة الحكم، الأمر كان مخططا له منذ سنوات بل كانت هنالك مجزرة كبيرة للمسلمين في عام 1993م، إلا أن الإعلام حينها لم يتعرض لها لعدم معرفة كثير من المسلمين بهذه الدولة أصلاً، وكذلك عدم توافر وسائل الإعلام الحديثة وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي التي لعبت الدور الأكبر لإبراز المجزرة الأخيرة للعالم؛ لذلك فإن الأمر مخطط له مسبقاً، وهذه الحركة سياسية تناضل من أجل حقوق المناطق المهشمة فيها المسلم وغير المسلم، وليست حركة إسلامية كما يعلن عنها في بعض المنابر من حيث النشأة والتأسيس، حيث كانت حركة لمعارضة، ومأخوذة من الكلمة ” سيلكا ” أي العقد بلغة السنغو المحلية، أي تعاهدوا على إسقاط النظام وهم ذو مرجعيات فكرية مختلفة.


5 ـ كيف يمكن تفعيل دور المسلمين غير الرسمي في التعامل مع مثل هذه الأزمات؟


عبر دعم جهود المنظمات الإنسانية والإعلامية المحلية والدولية وعكس الحقيقة التي تعبر عن الوضع الحقيقي لما يحدث في هذه الأزمة، وعدم التهوين أو التهويل للأحداث، والمساهمة الفاعلة في البرامج والمشروعات التي تسهم في تخفيف الأزمة عن المسلمين، وقد كان للدور الشعبي في العالم الإسلام الأثر الأكبر في تعريف العالم بقضية المسلمين، والدور الإنساني والخيري الذي ساهموا به في نجدة إخوانهم في أفريقيا الوسطى، فنسأل الله رب العرش العظيم أن يتقبل منهم ما قدموه لإخوانهم في موازين حسناتهم.


المشاركة الثالثة.. من: زكريا يونس ـ من أفريقيا الوسطى – بانجي ـ وتتضمن سؤالا:


7 ـ ما هي الرؤية المستقبلة لمسلمي أفريقيا الوسطى، وكيفية انتشالهم من براثن التنصير والذوبان في الثقافة المسيحية بعد التطهير العرقي والتهجير؟


هذا من الأسئلة المهمة، شكر الله الأخ زكريا، لا يخفى عليكم إخوتي الكرام أنّ ما تعرض له المسلمون في أفريقيا الوسطى أمر فظيع وهو بحق جريمة ضد الإنسانية، حيث تمثلت في التطهير الديني، والتهجير القسري، بتواطؤ ودعم دولي وإقليمي، وذلك فإن إعادة المسلمين إلى وضعهم السابق يتطلب عدد من البرامج والمشروعات الضرورية، والتي لا تسعف هذه السانحة لعرضها، ولكنها بالإجمال تكمن في النقاط التالية:


1.قضية العودة الطوعية، ضرورة أساسية للحفاظ على الكيان المسلم في هذه الدولة.


2.التوعية الدينية القوية في مخيمات اللجوء، وخاصة وسط الشباب عبر برامج ومشروعات تسهم في الحفاظ على هويتهم الدينية وتمسكهم واعتزازهم بدينهم.


3.إيجاد برامج ومشروعات صغيرة تسهم في ملء الفراغ الذي يعاني منه الشباب في مخيمات اللوجوء ومناطق النزوح حتى لا يكونوا عرضة للمنظمات التنصيرية وخاصة تلك التي تعمل تحت لواء الأمم المتحدة، وتحديداً في مخيمات جنوب تشاد حيث الغالبية العظمى من اللاجئين.


4.إيجاد برامج في السلم الاجتماعي بين المكونات الإسلامية وغيرها من المكونات وخاصة في الحي المتبقي للمسلمين ” حي كيلو 5″، حيث ما زالت بعض المجموعات الوثنية والنصرانية تعيش بين المسلمين منذ الأزمة ولم تجد مكاناً آمناً إلا وسط المسلمين، فلا بد من تحقيق التعايش معم.


5.بخصوص الشباب في الداخل وخاصة في العاصمة لا بدّ من إيجاد برامج ومشروعات تسهم في تحويلهم من الحالة الثورية التي كانوا عليها بسبب الدفاع عن أهلهم وإخوانهم إبان الأزمة من قبل المليشيا الإرهابية ” أنتي بلاكا” إلى الحالة التي يساهمون في بناء مجتمعهم المسلم، حيث التحويل صعب ويحتاج إلى تضافر جهود عدد من المؤسسات والكيانات، بالإضافة إلى الدولة نفسها، وهؤلاء الشباب اليوم إن لم يتم استيعابهم فقد يستغلون من قبل المنظمات المشبوهة ومن المنظمات التنصيرية أو عصابات المخدرات وغيرها، وخاصة للأسف أن بعض القوات الدولية المرابطة في حي المسلمين تسهم بشكل سيء للترويج للمخدرات والمسكرات وغيرها من الموبقات وسط الشباب المسلم في هذا الحي عبر هذه العصابات.


المشاركة الرابعة.. من: بكر العطار ـ صحفي مصري مهتم بشئون الأقليات حول العالم ـ وتتضمن 7 أسئلة:


7 ـ بالنظر إلى تاريخ الاستعمار الفرنسي نجد أن أفريقيا الوسطى تعتبرها فرنسا مستعمرة تابعة منذ 1959 تقريبا.. فهل لفرنسا دور فيما يحدث للمسلمين اليوم هناك؟ ولماذا من وجهة نظركم؟


لعل الدور الفرنسي في الأزمة الأخيرة كان بارزاً، بل غطتها قنوات إعلامية فرنسية معارضة إبان الأزمة، وتحشيد الكنيسة ودفعها دفعاً بتحشيد نصارى العالم وعبر التصريحات التي صرّح بها كبير الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان بأن هناك تطهيراً للمسيحين في أفريقيا الوسطى وأن على العالم نصرتهم، فقد كانت هذه التصريحات وغيرها فرصة للحكومة الفرنسية في التحرك بقوة لإعادة هيمنتها بعد إحساسها الحقيقي بأن هناك قوى أخرى ستدخل إلى هذه الدولة وتحديداً الصين، ولعل ما كشفته “ويكيليكس أفريقيا الوسطى” – نشرت تحت عنوان : الحرب القذرة الجديدة من أجل اليورانيوم والألماس في أفريقيا الوسطى- عبر وثائق كثيرة تبين الدور الفرنسي والتواطؤ الغربي والدعم الكنسي للأزمة الأخيرة ضد المسلمين في هذه الدولة. ولعل هذه الصورة تعكس بجلاء الدور الفرنسي في ذلك.


8 ـ من المعروف في أفريقيا الوسطى أن الحاكم يكون نصرانيا كاثوليكيا، وذلك بالنظر إلى نسبة النصارى في البلاد التي تتجاوز 50%.. فكيف صعد المسلمون إلى الحكم في عام 2013؟ وهل يوجد نسبة محددة، (جهة رسمية)، لعدد المسلمين في البلاد؟


لا توجد جهات رسمية معنية بتعداد المسلمين، ولكن من خلال الانتخابات وغيرها من الفعاليات السياسية التي يشارك فيها المسلمون تعرف النسبة عبر الدوائر التي يعد المسلمون فيها أغلبية، كحي كيلو خمسة، وحي مسكين الذي دمر مثلا في العاصمة، أو مدن الشمال ذات الغالبية المسلمة، وهكذا يتم الرصد، ولكن لا توجد حتى نسب للنصارى، وحتى الـ(50) نسبة غير صحيحة لأن أعداد الوثنيين أعلى من النصارى في البلاد، إلا أن الثقافة النصرانية الغربية هي السائدة لذا يحسبون هذه النسبة ولكن لا توجد لا للنصارى ولا للمسلمين جهات ترصد الأعداد الحقيقية، ناهيك عن أن الدولة علمانية لذا لا تكتب الديانة في الأوراق الرسمية.


9 ـ نريد إلقاء الضوء عن الأحداث التي وقعت بين المسلمين والمسيحيين في 2010، وهل بالفعل كانت هذه الأحدث مختلقة؟ وما هو الهدف من ورائها؟


يصعب في هذه العجالة ذكر التاريخ السابق للأحداث، ولكن يمكن للأخ الكريم مراجعة المقالات المنشورة في كل من مجلة قراءات أفريقية والمجتمع والبيان والبلاغ وغيرها من المجلات التي تناولت الأحداث في بدايتها، وكذلك ما ذكر في هذه المقابلة أعتقد يعطي تصوراً ولو جزئياً عما ذكر في السؤال.


10 ـ هل الإسلام كديانة ليس معترفا بها في أوساط البلاد؟ وهل يتمتع المسلمون بنفس الحقوق (مدنية وسياسية وعسكرية) كالتي يتمتع بها أصحاب الديانات الأخرى؟


الإسلام في أفريقيا الوسطى معترف به عرفاً وليس قانوناً حيث يحضر معظم الرؤساء أو رؤساء الحكومات الأعياد الخاصة بالمسلمين أي عيدي الفطر والأضحى، كما أنّ المسلمين يعملون في عدد من الدوائر الحكومية ولكن التهميش واضح في التوظيف والدراسة وغيرها، لذا لجأ بعض الآباء بتحويل أسماء أبنائهم في شهادات الميلاد كيوسف إلى جوزيف وغيرها حتى يتسنى له إيجاد فرصة في التعليم ولاحقاً في الوظيفة العامة، فسياسة التهميش التي وضعتها فرنسا مع الكنيسة ظلت سارية وتفاقمت بشكل كبير بعد مرور خمسين عاماً على الاستقلال مما أدى هذا التفاقم إلى الوضعية التي وصلت إليها البلاد اليوم .


11 ـ حصلت فرنسا على تفويض من مجلس الأمن للتدخل في أفريقيا الوسطى، وأصدرت الأمم المتحدة قرارا بتثبيت الحكومة الجديدة (بعد الانقلاب على الرئيس المسلم)، فهل كانت جميع هذه القوات عاجزة عن حماية المسلمين ومنع إراقة دماء المسلمين؟


فرنسا دخلت إلى أفريقيا الوسطى قبل الأحداث في الخامس من ديسمبر، ومن ثم طلبت الشرعية لأعمالها التي قامت بها بعد التدخل والتي كانت في بعضها ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية فلا بد من إيجاد شرعية قانونية من مجلس الأمن تحميها من منظمات حقوق الإنسان الدولية، ولم تدخل قوات الأمم المتحدة لوقف إراقة الدماء بل كانت بعضها وحسب تقارير منظمة العفو الدولية متواطئة في إراقة دماء المسلمين.


12 ـ وصلتنا صور ومقاطع فيديو يندى لها الجبين لما يحدث للمسلمين على أيدي عصابات “أنتى بالكا” من قتل وتقطيع للأوتار وحرق المسلمين وهم أحياء، هل هذه الصور صحيحة؟


لا يمكننا الإجابة بـ”نعم” أو “لا” إلا بعد رؤية هذه الصور، نعم كانت هنالك صور حقيقية، ولكن أيضاً بعضها مختلقة اختلاقاً، فيصعب الحكم إلا بعد رؤيتها.


13 ـ هل قدمت منظمات إسلامية (منظمة التعاون الإسلامي ومؤسسة الأزهر وغيرهما) شيئا للمسلمين؟، وما هي الرسالة التي تودون إرسالها لهذه المنظمات والمؤسسات؟


كل المنظمات الإسلامية ساهمت وبشكل كبير جداً في دعم ونصرة المسلمين في أفريقيا الوسطى، ونأمل أن يستمر هذا الدعم، وخاصة فيما يتعلق بالعودة الطوعية للمسلمين إلى الديار التي هجروا منها قسراً، فوضعهم اليوم في المخيمات سيئ جداً حيث أوقفت منظمات الأمم المتحدة وعلى لسان المشرفين على مخيمات اللاجئين دعمها منذ أشهر، ولم يتبق سوى المنظمات الإسلامية التي تساعد بين الفينة والأخرى هؤلاء المحتاجين، ولكي لا تتحول هذه المخيمات إلى معسكرات ثابتة كما في حالة دار فور وغيرها، فإننا من المنظمات الدولية المساهمة الفاعلة في برامج العودة الطوعية للمسلمين .


المشاركة الخامسة.. من: محمد سرحان – صحفي متخصص في شؤون الأقليات المسلمة ـ


15 ـ ما واقع مسلمي أفريقيا الوسطى في الإعلام؟ وكيف يتم تناول أزمتهم في الإعلام المحلي هناك والأفريقي؟ وماذا يجب على الإعلام العربي والإسلامي في ظل ندرة المصادر؟


هذا سؤال مهم جداً، لقد تناول الإعلام العربي والإسلامي هذه الأحداث في بدايتها بشكل جيد جداً ولكن مع توالي الأحداث في مناطق المسلمين الأخرى خفت التغطية لها في بعض القنوات الإعلامية سواء أكانت المكتوبة أم المرئية أم المسموعة، ولعل من الأهمية بمكان تسليط الضوء على واقع المسلمين هنا بين الفينة والأخرى خاصة أن الأزمة لم تنتهِ بعد، خاصة في شقها الإنساني وإن خفت في شقها السياسي والأمني.


16 ـ كيف لمؤسسات كبيرة -مثل الأزهر أو منظمة التعاون الإسلامي- أن يكون لها دور في وقف نزيف دماء المسلمين وحل الأزمة في أفريقيا الوسطى؟


القضية بحاجة لكل جهد ومن كل المؤسسات والمنظمات الإسلامية والدول الإسلامية، خاصة أن مفاوضات السلام ما زالت مستمرة حتى اليوم في دولة أنغولا بين الحكومة الحالية والفرقاء لجلب الأمن والاستقرار في البلاد؛ فالمسلمون هناك بحاجة ماسة لدور هذه المؤسسات وغيرها لتعزيز ما ذكرناه سابقاً من تفعيل الدور الإنساني وخاصة في موضوع العودة الطوعية وإعادة التعمير القرى والمساجد وغيرها من ممتلكات المسلمين، وهذا الدور أعتقد أن منظمة التعاون الإسلامي والدول الإسلامية الكبيرة لقادرة على أدائه بشكل كبير والمجتمع المسلم هناك بحاجة لمثل هذا أكثر من أي شيء آخر في الوقت الراهن.


17 ـ برأيك كيف ترى مستقبل مسلمي أفريقيا الوسطى أولا من حيث حل الأزمة ووقف الانتهاكات؟


مستقبل المسلمين في أفريقيا الوسطى مزدهر جداً بإذن الله تعالى، خاصة أنّ الأزمة من حيث الجانب السياسي في طريقها إلى الحل، وأن وضع المسلمين لن يكون كما كان قبل الأحداث الأخيرة.


أما الوضع الإنساني فمع الظروف الصعبة التي يمرون بها في المخيمات ومناطق اللجوء فالأمل بالله تعالى كبير، وأن الاستقرار والهدوء في مناطق تواجد الغالبية العظمى من المسلمين سيسود عما قريب مع ما تعانيه هذه المناطق بين الفينة والأخرى من تجاوزات من العصابات ذات المنافع الخاصة، وخاصة أن قرب الانتخابات الرئاسية الفرنسية قد يسهم في قوة نشاط هذه العصابات، ولكن إرادة الشعب الأفرووسطي الذي عانى الأمرَّين ستسهم في القضاء على هذه العصابات، ولعل المفاوضات الجارية اليوم والتي قد تفضي إلى تشكيل حكومة وحدة جديدة لتسهم بإعادة الأمن والاستقرار إلى ربوع البد بإذن الله تعالى.



صناعة رجال الدعوة
dawahskillsar

محمد حقي


كل حضارة إنسانية رجال عظماء ساهموا في بنائها وتحديد معالمها وصياغة منظومتها الثقافية وخارطتها القيمية، فالحضارة إنما هي تراكم أفكار  رجال عباقرة، والتاريخ إنما هو تدوين لسيرة رجال عظماء، هم من صنعوه فخلدهم في صفحاته.


صناعة رجال الدعوة من الصناعات الثقيلة


وصناعة الرجال من الصناعات الثقيلة والثمينة والصعبة، فمن السهل تشييد مصانع ومآثر وسدود وآلات معقدة الاستعمال، لكن من الصعب صناعة رجال عظماء، إنه بناء عقول نيرة متفتحة تصنع المعجزات والإنجازات والأحداث، عقول مستنيرة تساهم في تغيير مجرى التاريخ.


لكن المتأمل في عصرنا هذا، يدرك بسهولة مدى الأزمة الخانقة في مجال إعادة صناعة الرجال  (النخبة) التي تصنع الأمجاد وتصون رسالة السلف، وتسطر في صفحات التاريخ بآثارها وبصماتها.


ومن المعلوم أن الإسلام ساهم في صناعة رجال صنعوا أمجاده وبطولاته الخالدة في التاريخ، رجال وصفهم الله عز وجل في القرآن بقوله مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ إلى قوله تعالى فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا،  فالصدق مع الله دم يجري في عروقهم وهواء يملأ صدورهم المضيئة بنور الله تعالى،  وقوة الإيمان به والثقة في ما عنده من العطايا الجليلة، فهم رجال “يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله”، “سيماهم في وجوههم من أثر السجود”.


مثل هؤلاء الرجال هم من تحتاجهم الأمة اليوم لتشييد نهضتها من جديد، إنهم رجال الدعوة الذين يساهمون في نشر قيم الإسلام وتعاليمه السمحة، لأن صناعة رجال الدعوة وبناء القادة الربانيين إعجاز فريد في الإسلام، وقد أورد الحاكم في المستدرك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال  لأصحابه: تمنوا فقال بعضهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبا أنفقه في سبيل الله وأتصدق وقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة زبرجدا وجوهرا فأنفقه في سبيل الله وأتصدق ثم قال عمر تمنوا فقالوا: ما ندري يا أمير المؤمنين فقال عمر: أتمنى لو أنها مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة وحذيفة بن اليمان.


“لا بد من صناعة الرجال الذين يقومون بالدعوة ويديرون دفتها، ويربون الرجال، ويملأون كل فراغ، وكل حركة أو دعوة أو مؤسسة مهما كانت قوية أو غنية في الرجال فإنها معرضة للخطر، وإنها لم تلبث أن ينقرض رجالها واحدا إثر آخر، وتفلس في يوم من الأيام من الرجال” [أبو الحسن الندوي: مذكرات سائح في العالم العربي] لأن “تكوين الدعاة يعني تكوين الأمة، فالأمة العظيمة ليست إلا صناعة حسنة لنفر من الرجال الموهوبين” [مع الله: محمد الغزالي]

والإسلام اليوم، في أمس الحاجة إلى من يؤمن بأفكاره ويتخلق بقيمه ويدافع عن أطروحاته ونظرياته وأحكامه ويصون رسالته، إنه في حاجة لمن يوصل الليل بالنهار في التفكير في هموم الأمة وآلامها ، ويبحث لها عن الحلول الشافية والأجوبة الكافية ، ويخلص الناس من معاناتهم مع مشاكل الحياة، في حاجة حقيقة إلى من يقف في ميدان الفتن ويتدافع مع الآخرين لكي يسمع صوت الحق في آذان من يريدون تحريف الدين القيم عن مساره وتشويه صورته وإفراغه من محتواه الحضاري، في حاجة لمن يحتضن أبناء المسلمين ويربيهم على الصلاح والإصلاح والكفاح والعطاء والإحسان في العمل.


هكذا يصنع رجال الدعوة


إن الإسلام في حاجة إلى رجال يمشون بثبات واستقامة على مسار الدعوة حتى النهاية، لأن الاستقامة قيمة عظيمة يمنحها الله تعالى للرجال المخلصين، لأن المخلص لا يعثر أبدا، قال عبد القادر الجيلاني: إنما يعثر من لم يخلص” وقال الرسول صلى الله عليه وسلم فارقا بين طريق الله وطريق الهوى ” إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ..” [رواه البخاري]

وقد يصاب الداعية بمرض في فكره أو نفسه حيث يقوده هذا الفكر إلى الانحراف عن الجادة ويعظم نفسه ويمنحها أكبر من حجمها الطبيعي، أو أن يصاب بجنون العظمة فيخيل إليه من حمقه أنه رجل عظيم قادر على تغيير مجرى التاريخ، ثم تنتهي هذه الأصناف بالسقوط، وما يتبع السقوط إلا تكسر الأضلاع، وخسران روابط الثقة والأخوة في لله تعالى، والدخول في سراديب الدنيا المظلمة، وفساد الأخلاق والنيات.


لذلك ينبغي صناعة الرجال وتربيتهم على الصدق والأمانة والوفاء والاستقامة على الصراط المستقيم والمنهج القويم، وتحصين نفوسهم وأفكارهم وقلوبهم من الشبهات الهدامة والشهوات المحبطة والخطرات الشيطانية التي تفشل قوة ارتباط المؤمن باعتقاده ويقينه في ما عند الله تعالى وفتوره عن أداء واجباته والتزاماته الدينية والدنيوية.


___


* المصدر: إسلام أون لاين.



صناعة الإسلاموفوبيا في أوروبا
dawahskillsar

عز الدين عناية


لن نذهب بعيدا في تتبع نشأة مصطلح الإسلاموفوبيا، الذي شهد رواجا منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي[1]، بل ما يعنينا


لا توجد دراسات وافية عن الإسلاموفوبيا


بالأساس وهو السياق التاريخي الذي ولّد هذا المصطلح للتعبير عن ظاهرة بات الحديث عنها متداولا. ثمة مناخ سلبي يسود في الغرب عن الإسلام والمسلمين، التأمت عناصره منذ نجاح الثورة الإسلامية في إيران، وما أعقبها من تطورات متسارعة مع قضية سلمان رشدي (إنجلترا 1988)، والفولار الإسلامي (فرنسا 1989)، وارتدادات سقوط جدار برلين (1989)، إلى أن بلغت المسألة ذروتها مع آثار أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. هذا المناخ ولّد ضغطا على المسلمين في أوروبا امتدّ على عقود ولا يزال، مخلّفا تضييقا وردود فعل متباينة، أُتبعت بإصدار قوانين استهدفت المسلمين[2]. وَرَث هذا المناخُ الحانق موجةَ عداءٍ سابقة للعرب، كانت أحداث باريس في عام 1961، عشية استقلال الجزائر، أبرز فصولها، كما ربط بين الظاهرتين دومينيك فيدال في مقاله الصادر في صحيفة “لوموند دبلوماتيك” الفرنسية بعنوان من “العربوفوبيا إلى الإسلاموفوبيا”[3]. وقد دفعت تلك الأجواء الراحل إدوارد سعيد إلى التفطن إلى تحويل الحمولة الدلالية للاسامية من اليهود إلى العرب والمسلمين[4].


النخبة بين صنع الإسلاموفوبيا والتصدّي للظاهرة


مع أن الارتياع من الإسلام والخشية من المسلمين باتا واقعاً سائداً في المجتمعات الأوروبية، إلا أن متابعة هذه الظاهرة ما لبث محدودا. الأمر الذي انعكس على سُبُل التصدي لها والتنبه لمخاطرها. فليست هناك أبحاث وافرة عن الظاهرة، بل غالبا ما يرد موضوع الإسلاموفوبيا مدرجا ضمن الكتابات التي تعالج مسائل الاندماج والهجرة. لعل الأمر عائدٌ بالأساس إلى كون الدراسات السوسيولوجية، بشأن الإسلام والمسلمين، هي دراسات معاصرة، شهدت انطلاقتها مع حقبة السبعينيات، بعد أن غادر الإسلامُ الماضيَ الإتنوغرافيَ الاستشراقيَ وبات ضمن الحاضر السوسيولوجي[5]. وحتى آباء علم الاجتماع في الغرب، أمثال أوغست كونت وإيميل دوركهايم، فقد غاب الإسلام تقريبا من مدوناتهم، باستثناء إيراد مختصر لدى ماكس فيبر في كتابه غير التام “علم اجتماع الأديان”، الذي تطلّع فيه إلى إتمام عمل مقارن. لكن كافة هذه العوامل لا تبرر قلة الاهتمام بظاهرة الإسلاموفوبيا، ففتور الانشغال الإيطالي والفرنسي -على سبيل المثال- يأتي جراء غلبة التركيز على ما يثيره الإسلام من قلاقل، لا على ما هو عرضة له من مشاكل. هذا علاوة على تواجد مناخ سياسي في أوروبا، الإسلام فيه مدان، وليس من الهين تحويله إلى مدين، يمتد من التغاضي عن ظاهرة الإسلاموفوبيا إلى التبخيس من شأنها[6]. تقول أنّاماريا ريفيرا “لا تشكّل مسائل كره الأجانب ولا العنصرية مواضيع حاضرة في الخطاب العمومي في إيطاليا. وهي عادة مواضيع خاضعة للرقابة الضمنية من قِبل وسائل الإعلام والمؤسسات؛ بل حتى في فضاء الدراسات المختصة فهي تُعَدّ غير ملائمة وغير لائقة”[7].


وفي إيطاليا على سبيل الذكر، لا تتعدى الأعمال الصادرة عن الظاهرة أربعة أعمال[8]، حيث تبقى المسألة متداوَلة في وسط ضيق بين متابعي قضايا الهجرة والإسلام في الغرب. ومن بين الذين أولوا المسألة اهتماما، نجد أناماريا ريفيرا (2002)، وستيفانو أليافي (2003)، ومونيكا ماساري (2006)؛ وتبقى النخبة الأوروبية المتابعة لقضايا الإسلام مشغولة، في مجملها، بكون الإسلام يمثّل مشكلة وتهديداً وخطراً (الاندماج، الإرهاب، المخاطر الأمنية، التحديات المستقبلية) وليس ضحية. وحتى الراهن لم تخلق الشرائح المتضررة من الإسلاموفوبيا أدواتها ووكلاءها لمعالجة الظاهرة، مع استثناءات قليلة في الواقع الفرنسي.


حريّ أن نشير أيضا إلى أن مصطلح الإسلاموفوبيا المثقل بالدلالة الدينية، ينبغي ألا يخفي الانحرافات في المقاربة، من خلال اختزال الإسلاموفوبيا في بُعْد ديني وإغفال عمقها الاجتماعي. فليست قضايا المهاجر المسلم قضايا لحم حلال وفولار وصومعة، بل المسألة تتلخص في حيف اجتماعي، قوامه العزل المقصود في الشغل، والاستبعاد على وجه العمد من مواقع النفوذ لشرائح واسعة. ولعل أخطر مستويات الإسلاموفوبيا حين تصدر من أعلى، وتكون مدعومة بقرار مؤسساتي[9]. تتحدث جوسلين شزاري عن الصلة بين الأصول العرقية والدين والفقر، وهي معادلة في منتهى الخطورة في حالة المهاجرين المسلمين[10]. وقد كنا أشرنا في دراسة منشورة إلى “طفو نعرات الهوية حين تغيّب الحقوق”[11]، تأكيدا على أخذ المشكل الاجتماعي تلونات أنثروبولوجية في غياب الحلول الصائبة.


يورد مؤلّفا “الإسلاموفوبيا. النخبة الفرنسية وصناعة مشكلة الإسلام” أنه أثناء الإضرابات التي شنها عمال شركتي سيتروان وتالبو الفرنسيتين سنة 1982، جرى اتهام المحتجين من قبل تحالف الأعراف والساسة والإعلام بالأصولية، لأن شقا واسعا من المحتجين كانوا مغاربة، أدرجوا ضمن قائمة المطالب إقامة بيت صلاة. خلّفت الاحتجاجات حينها ترحيل العديد خارج فرنسا، واختزال القضية في مبررات دينية، بعد وصْف الإضرابات بأنها “شيعية” خصوصا وأن الفترة كانت قريبة عهد بالثورة الإيرانية[12].


الهوامش:


[1] . مع أن مصطلح الإسلاموفوبيا حديث العهد فإن الظواهر التي يحاول الإحاطة بها تعود إلى تاريخ أبعد. وقد بدأ شيوع المصطلح منذ نشر نتائج استطلاع “لجنة مسلمي بريطانيا والإسلاموفوبيا” (Commission in britsh Muslims and Islamophobia) سنة 1997.</p>
[2]. صدرت في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، بين العامين 2001 و 2005، جملة من القوانين ضد الإرهاب، واتُّخِذت حزمة من التدابير استهدفت بالأساس المسلمين، زادت من تضييق الخناق عليهم.</p>
[3]. Dominique Vidal, «De l’arabophobie à l’islamophobie», Le Monde diplomatique, 11/2003.</p>
[4]. Edward Said, Orientalismo, Feltrinelli, Milano 2004, pp. 282-283.</p>
[5]. Leila Babès, L’altro islam. Un’indagine sui giovani musulmani, Edizioni Lavoro, Roma 2000, p. 26.</p>
[6]. راجع دور النخبة الفرنسية في اختلاق “مشكلة الإسلام” بدل السعي لتناول قضايا الإسلام، في الكتاب المشترك لعبداللالي حجات ومروان محمد “الإسلاموفوبيا. النخبة الفرنسية وصناعة مشكلة الإسلام”:</p>

Abdellali Hajjat, Marwan Mohammed, Islamophobie. Comment les élites françaises fabriquent le “problème musulman”, La Découverte, Paris 2013.


[7]. Annamaria Rivera, Estranei e nemici. Discriminazione e violenza razzista in Italia, DeriveApprodi, Roma 2003, pp. 10-11.</p>
[8]. Alietti A.; Padovan D.; Vercelli C., Antisemitismo, islamofobia e razzismo, Editore Franco Angeli 2014; Enrico Galoppini, Islamofobia: attori, tattiche, finalità 2009.</p>
[9]. Marchi Alessandra, «La Francia e l’islamofobia», Jura Gentium, Firenze 2010.</p>
[10]. Jocelyne Cesari, L’Islam francese: una minoranza religiosa in costruzione, Edizioni Dedalo, Bari 2002, pp. 49-50.</p>
[11] . الوجود الإسلامي في الغرب الوقائع والمصائر، مجلة الكوفة، العراق، خريف 2012، ص: 58-60.</p>
[12]. Abdellali Hajjat, Marwan Mohammed, Islamophobie, p. 106.</p>

——-


* المصدر: الملتقى الفكري للإبداع.



?

Log in