داعية فلسطيني: لا ينبغي للداعية أن يتوقف عن الدعوة إذا أذنب
dawahskillsar
أجرت الحوار أمينة سعيد

قال فضيلة الدكتور عبدالباري خلة -المحاضر في كلية الدعوة للدراسات الإسلامية التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية في فلسطين-: لا ينبغي للداعية أن يتوقف عن الدعوة الله تعالى إذا اقترف معصية أو ذنبا؛ فالطبيب قد يعالج غيره وهو مريض، مؤكدا على أن الأصل في المسلم أن يطيع الله، لكنه قد يخطئ فعليه بالتوبة، ولا أحد معصوم.


الدكتور عبد الباري خلة


وأشار الدكتور خلة في حواره مع موقع “مهارات الدعوة” أن مرارة المعصية لا تعادلها مرارة، وشؤم الذنب لا يعادله شؤم، وذل المعصية لا يعادله ذل؛ فهي بمعنى الذنب والمخالفة ومعصية الإنسان لربه بمعنى مخالفة أمر الله تعالى، وارتكاب الذنوب، والمنهيات، وهي عكس الطاعة، فالطاعة راحةٌ للقلب وانشراحٌ للصدر وطمأنينة للنفس.


وأشار إلى أن للأعمال الصالحة أثرًا في زكاة القلبِ، وللطاعة قوة في البدن وبركة في الرزق، مستشهدا بنبي الله هود عليه السلام الذي أوصى قومه بالطاعة والاستغفار لينالوا البركة؛ كما ورد في قول الله تعالى: وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (هود: 52)، مضيفاً أن الطاعة سكينة وراحة ومحبة في قلوب الناس على خلاف المعصية التي تورث ضيق النفس والحزن والفقر..


فإلى نص الحوار:




  1. بداية فضيلة الدكتور.. ما هي المعاصي؟




المعصية كل مخالفة لأمر الله وهي ضلال ووصْف قبيح لصاحبها وهي خلاف الطاعة، وهي تهلك النفس، وتقسي القلب، وتمنَع بركة الرزق.




  1. كيف يطهر العبد قلبه منها؟




سيبقى الرب ربا والعبد عبدا ولا عصمة إلا لمن عصم الله فإذا أخطأ العبد فلا بد من التوبة فهي تجب ما قبلها فعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ رواه الترمذي بسند حسن


وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ” (رواه مسلم). وكل ذلك من رحمة الله ولطفه.


فالتوبة من المعاصي والذنوب واجبة على المسلم، قال الله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (النور: 31)، وقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا (التحريم: 8).


وللتوبة النصوح شروط أربعة وهي: الإقلاع عن الذنب، الندم على ما فات، العزم على عدم الرجوع إلى الذنب، وإذا كانت المعصية تتعلق بحق الآدمي، فلا بد من إعادة الحقوق لأصحابها إن كنت تعرف أصحابها، وأما إذا لم تعرف أصحابها فتصدق بالمال عنهم.


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يحل مال امرئٍ مسلم إلا عن طيب نفسٍ” (رواه أحمد والبيهقي).




  1. كثيرا ما يرتكب بعض الناس المعصية ويتوب، ومن ثم يعود.. كيف الحل إذا كرر العبد المعصية بعد التوبة؟




عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ قَالَ قُلْتُ نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا ذَاكَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (رواه مسلم).


وهذا من رحمة الله علينا فمهما صدر منا إلا أن الله تعالى عفو غفور وإذا أذنب العبد ذنبا فما عليه إلا أن يتوب إلى الله تعالى حيث يقول الله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (النساء: 17، 18).




  1. لا بد أن للمعصية أثرا على القلب.. فما هو أثرها؟




من هذه الآثار حرمان العلم الشرعي لما جلس الشافعي بين يدي الإمام مالك وقرأ عليه، أعجبه ما رأى من نور فطنته، وتوقد ذكائه، وكمال فهمه، فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بظلمة المعصية.


كذلك حرمان الرزق وتعسير الأمور: فعن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب الذي يصيبه، ولا يرد القدر إلا بالدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر” (أخرجه ابن حبان بسند حسن).


وإن الله ييسر أمور عباده الصالحين وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (الطلاق: 2، 3) وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق: 4].


اضافة إلى المعيشة الضنك في الدنيا والعذاب في الآخرة: قال الله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] إنها سبب لهوان العبد على ربه: قال الله تعالى: وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ [الحج:18].




  1. برأيكم هل يصح للشخص أن يدعو إلى الله وهو عاصٍ؟




الأصل في المسلم أن يطيع الله، لكنه قد يخطئ؛ فعليه بالتوبة، ولا أحد معصوم؛ لذا ينبغي على المسلم أن يتعهد نفسه، ولا يمنع ذلك الدعوة إلى الله؛ فإن الطبيب قد يعالج غيره وهو مريض.




  1. ما هي أسباب وقوع الانسان في المعاصي؟




هناك أسباب كثيرة من أهمها:



  • تحقير المعصية واستصغارها فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ” (رواه أحمد بسند حسن لغيره).


وقال ابن مسعود رضي الله عنه: “إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه ، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه فقال به هكذا، قال أبو شهاب بيده فوق أنفه.


وقال بلال بن سعد: لا تنظر إلى صِغر المعصية، لكن انظر إلى عظمة من عصيت!!



  • التساهل في الدين والتوسّع في فعل المشتبهات يضعف في النفس استعظام المعاصي.

  • مجالسة الأشرار فإن الطباع تعدي ولا بد من مجالسة الأخيار فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه فصحبة الأخيار ومجالستهم يشجع على الطاعة مما يقي المرء – بإذن الله – من المعاصي.

  • الغفلة عن ذكر الله فعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ” (رواه مسلم).




  1. هل يمكن أن يدعو الانسان وهو صامت؟ وكيف يكون ذلك؟




الدعاء لا يكون إلا بالنطق أما بغير النطق فهو تمنٍّ، والأفضل للمسلم الدعاء قال الله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [النمل: 62].


 



استنبات الأئمة
dawahskillsar

د. محمد عزب (خاص بموقع مهارات الدعوة)*


لقد رعت الحضارة الإسلامية العلم رعاية بالغة، كما أولت طلاب العلم الرعاية التي أولوها للعلم، تدل على ذلك شواهد كثيرة في التراث ومفردات الحضارة، كانت الرعاية تأخذ صورا شتى منها: الوقف، والتبرع بنسخ الكتب، وكفالة الطلاب وبناء المدارس وغير هذا.


رعاية النوابغ وتحفيز هممهم وتقديمهم للمجتمع اتصف به خيار الأمة وأئمتها، فلم يصارع شيخ طالبا، ولم ينهر إمام نابغة لحظ فيه نبوغًا وريادة، وكان الخالف يحمل للسالف منهم أعظم مظاهر التوقير والاحترام، ومن جميل ما حفظته الروايات أن عبد الله نجل الإمام أحمد قال لأبيه يومًا: يا أبه، أي رجل كان الشافعي؟؛ فإني سمعتك تكثر من الدعاء له؟ فقال: يا بني كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو منهما عوض؟ ([1]).


إن عرى التواصل بين الأئمة وطلابهم ظلت موصولة لم تنقطع، ومن أبرز مظاهر هذا التواصل والتحاب ما كان بين الأئمة الثلاثة؛ حيث بدا كسلسة موصولة لا تنفصم تواصلا واتصالًا عجيبا، واستنباتا لجوانب العلم والفهم حدثتنا عنه كتب التاريخ والتراجم، لقد اكتشف مالك بن أنس نبوغ الشافعي مبكرًا، فظلت الحلقة متصلة، يتعلم الشافعي على مالك، ويتعلم أحمد على الشافعي، فينتقل أثر مالك عبر الشافعي إلى الإمام أحمد.


كان اكتشاف مالك لتلميذه الشافعي درسًا مهمًا من دروس التربية ورعاية ذوي المواهب في ساحات الدرس وتلقي العلم، وإبرازهم للمجتمع، حتى يصيروا هم قادته والمؤسسين لعلومه الآخذين فيه بزمام المبادرة، المربين من بعد لرواده ومجتهديه.


لا بد قبل أن نسوق ما حدث بين مالك وتلميذه الشافعي أن نقرر حقيقة مفادها: أن العالم الذي يرى في نابغة من طلابه يرتاد مجلسه تهديدًا لعلمه أو نيلًا من مكانته أو تأثيرا على نفوذه بين الناس أو بين الطلاب لا يستحق شرف حمل العلم، ولا التسمي به، ولقد ضرب مالك – رحمه الله – المثل الأعظم في النزول للحق والرجوع إليه، والفتوى به على خلاف قوله، حيث استبان له خطؤه، فأبرز بتصرفه الفذ للأمة الشافعي كأحد حداتها في طريق الحق


ينقل ابن عساكر بسنده عن الشافعي قوله: “حضرت مالك بن أنس، وأنا أسمع منه الحديث، ولي دون الأربع عشرة سنة، فجاءه رجل فوقف عليه ثم قال له: إني رجل أبيع القماري([2]) فبعت قمريا على هذه، فرده إلي فقال ما له صوت، فحلفت بالطلاق أنه لا يسكت. فقال: أوَسكتَ؟ قلت: نعم؟ قال: أنت حانث. قال الشافعي: فتبعته، فقلت له: يا رجل، كيف حلفت؟ قال: حلفت بما سمعت. قال: فقلت له: صياحه أكثر من سكوته؟ فقال: صياحه. فقلت: مر؛ فإن امرأتك لك حلال. قال: فماذا أصنع؟ وقد أفتاني مالك بما أفتى. فقال: عُد إليه، فقل له: إن في مجلسك من أفتاني بأن امرأتي هي لي حلال، وأومئ إلي، ودعني وإياه، فرجع، ورجعت، وجلست فيما بين الناس، فقال له: إني رأيت أن تنظر في يميني. قال أليس قد أفتيناك بأنك حانث؟! فقال: في مجلسك من أفتاني بأن امرأتي هي لي حلال. قال: أفي مجلسي؟! قال: نعم. قال: ومن هو؟ فأومأ إلي. فقال لي مالك: أنت أفتيته بذلك؟! قلت: نعم. قال: ولماذا أفتيته بذلك؟ قلت له: سمعتك تروي عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لفاطمة بنت قيس: إذا حللت فآذنيني، فلما حلت، قالت له: قد خطبني معاوية وأبو جهم. فقال: «أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه » وعلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أبا جهم يضع عصاه عن عاتقه ويتصرف في أموره، فإنما نُسب إلى ضرب النساء، فذكر أنه لا يضع عصاه عن عاتقه، وحمله على الأغلب من أمره، وإني سألته، وقلت: سكوته أكثر أم صياحه؟ فقال:صياحه. فأفتيته بذلك. قال فتبسم مالك، وقال القول قولك ([3]).


سمع مالك الذي قد جاوز السبعين من عمره وقت الواقعة الشافعي الذي لم يجاوز العشرين من عمره وأصغى إليه، واستحسن استخراجه للمسألة وأخذ بها، لأن نشدان الصواب غاية، ولولا ثقة الشافعي بخلق أستاذه ودينه ما تجرأ على أن يتعامل مع الموقف بهذه الجرأةن وبهذا الخلق بين الأئمة وطلابهم برز الأئمة الرواد.


الخليل وسيبويه


لم يكن مجال العلوم الشرعية وحده هو المبرز لهذا الخلق، فلقد كان استنبات الرواد ممن يحملون معارف الوحي والعلوم الخادمة له شائعا في كل علم، لما مات الخليل بن أحمد عالم العربية الأشهر، كان من وفاء تلميذه غير العربي سيبويه أن سعى في حمل أمانته وفاء له، فقد ذهب سيبويه إلى علي بن نصر الجهضمي، فقال له: “يا عليُّ، تعال نتعاون على إحياء علم الخليل ” فتقاعس عليٌّ، وخذَل سيبويه فيما أرادهُ، يقول العلامة محمود شاكر: فحَميَ قلبُ سيبويه، وعزم على أن ينفردَ بإحياء علم الخليلِ، فانبَرَى بكُلّ ما في قلبه من الديانة، والأمانةِ والحب والإخلاص، مستقلا وحده بالعِبْءِ، وحلَّق وحدَه كالعُقاب في جوِّ العربية، يجلِّي بعينيه النافذتين كلَّ علم الخليل وغير الخليلِ، وكلَّ أساليب العربية، وينقضُّ على المعاني بضبطٍ وإحكامٍ كإحكام العُقَاب الصَّيُود، بكُلّ ما في قلبه من القُدْرة على الإبانة والقُدْرة على الاستبانة[4].


بهذه الروح التي وصفها أبو فهر جاء كتاب سيبويه (الكتاب) الذي مات وقد جاوز الثلاثين بقليل أعظم ما أُلّف في النحو العربي، كمبادرة منه في الوفاء لشيخه الخليل الذي وجد أن إحياء علمه حق عليه، ولنا أن ندرك المنزلة التي نزلها الخليل في قلب سيبويه، حتى إنه كان إذا رأى ما يخالف شيخه فيما يورده فإنه لا يذكر نفسه بجواره أبدًا إجلالًا له بل يقول (وقال غيره…)[5] يشير لنفسه في كتابه بهذا أدبا مع شيخه المتوفي وتقديرا لقدره.


كانت هذه هي العلاقة الحاكمة بين العالم المربي والتلميذ المتعلم؛ تظل آصرة المودة قائمة لا تنمحي بوفاة الشيخ، فكان الخليل إمامًا، وكان سيبويه تلميذه إمامًا.


ابن الطفيل وابن رشد


فإذا ابتعدنا قليلا عن مجال علوم الوحي والعلوم الخادمة له، وخرجنا من المدينة ومكة، والبصرة والكوفة، وانتقلنا إلى الفردوس المفقود، وإلى حكماء الفلاسفة فنجد أن من أعظمهم ابن رشد العلامة الفقيه الفيلسوف، كان بروزه وتقدمه بمبادرة من فيلسوف سبقه لبلاط الحاكم، والقصة يحكيها المراكشي على لسان ابن رشد قائلا: “استدعاني أبو بكر بن طفيل يوماً فقال: لي سمعت اليوم أمير المؤمنين يتشكى من قلق عبارة أرسطو طاليس، أو عبارة المترجمين عنه، ويذكر غموض أغراضه، ويقول: لو وقع لهذه الكتب من يلخصها ويقرب أغراضها بعد أن يفهمها فهماً جيداً؛ لقرب مأخذها على الناس، فإن كان فيك فضل قوة لذلك فافعل، وإني لأرجو أن تفي به؛ لما أعلمه من جودة ذهنك، وصفاء قريحتك، وقوة نزوعك إلى الصناعة…[6] فدخل ابن رشد بلاط أبي يعقوب، بوصية من ابن طفيل وترشيحه لهذا، وهو وضع للرجل الفذ حيث تبرز ريادته وعبقريته، وكان رأي ابن طفيل في ابن رشد صائبا في محله، وبرز ابن رشد في عالم الفلسفة بروزًا لا تزال آثاره في العالمين الغربي والمشرقي بادية.


هكذا كان تقديم ابن طفيل لابن رشد، حيث رشحه في وفاء نادر الحدوث ليجاور الأمير بالقصر، ويحظى بما ينفق غيره عليه النفيس والرخيص ليجاور الأمير في القصر ، وإذا نحينا طريقة ومذهب ابن طفيل الفلسفي جانبًا، وما كان عليه ابن رشد، فيبقى الموقف التربوي بالغ الأثر الذي كان لابن طفيل تجاه ابن رشد في إنزال الناس منازلهم حتى صار ابن رشد كما وصفه الذهبي: (فيلسوف الوقت) [7] وقال ابن الأبار: (مال إلى علوم الأوائل فكانت له فيها الإمامة دون أهل عصره)[8] فكان إماما في فنه لا تزال آثاره باقية.


هكذا كانت مناهج العلماء وطريقتهم في إبراز القادة والأئمة والرواد، تبدأ بإخراج المتعلم من دائرة التلقين والحفظ والصمت إلى دائرة التفكير والتدبر والفهم ومناقشة الفتوى والفكرة، والقدرة على التحليل والموازنة القائمة على الدليل، وإعطاء الدرس العملي في التراجع عن غير الصواب مهما كان، وهذا ما ظفر به الشافعي حين تعلم على مالك، وصار بعدها كالشمس للدنيا والعافية للبدن كما وصفه تلميذه الإمام أحمد، كما أن حسن التلقين والإطار العلمي وروح المودة استنبتت وفاء نادرا لدى سيبويه فاعتنى بتراث شيخه الخليل، فأخرج أعظم كتب النحو، ثم كانت إمامة ابن رشد في علوم الفلسفة التي التفت لها ابن طفيل حين بلغ به السن.


وهكذا يجب أن تسير بنا الركائب في استنهاض الأمة التي لا بد فيها من استنبات العباقرة، في ساحات البحث والدرس، ونحن اليوم نخوض معركة الوعي، نحتاج إلى أئمة في كل فن.



([1])تهذيب الكمال، للمزي (24/ 371).


([2]) القمري طائر صغير من الحمام. حياة الحيوان الكبرى، للدميري (2/ 351)


[3] تاريخ دمشق لابن عساكر (51/ 304)


[4] رسالة في الطريق إلى ثقافتنا ، لمحمود شاكر ، (17)


[5] مقدمة تحقيق كتاب سيبويه، الشيخ عبد السلام هارون: 1/7


[6] المعجب في تلخيص أخبار المغرب، للمراكشي (ص: 179)


[7] سير أعلام النبلاء، للإمام الذهبي (21/ 307)


[8] التكملة لكتاب الصلة، لابن الأبار (2/ 74).


 


* أستاذ مشارك بقسم العقيدة بكلية العلوم الإسلامية جامعة المدينة.



قصة مناظرة بين قساوسة ودعاة في مالاوي
dawahskillsar

في هذا الفيديو يروي الشيخ وحيد عبد السلام بالي قصة مناظرة في دولة مالاوي بين اثنين من القساوسة واثنين من الدعاة، حيث أسلم على إثرها عدد كبير من الحضور، ثم تبعهم القس بعد أن أقنعه الداعيان بالإسلام وأجابا على كل شبهاته.




لماذا يعادي الغرب الإسلام؟!
dawahskillsar

د. محمد فتحي رزق الله


كما علمنا أساتذتنا فإن التعارف ومن ثم التعايش الذي يريده الإسلام بين جميع الأمم والشعوب على اختلاف ألوانها وأجناسها


الحروب الصليبية أحد مظاهر عداء الإسلام للغرب منذ القدم


ودياناتها وحضاراتها لن يصبح في الإمكان إلا إذا كشفنا الغطاء عن القنابل الملغومة في الثقافات الأجنبية التي تحول دون بلوغ هذه الأهداف.


وأنا هنا أعرض لما سطره علماؤنا في مؤلفاتهم القيمة من تشخيص دقيق للداء المستعصي حتي الآن، في نقاط أهديها لغير المسلمين بشكل خاص أينما كانوا على وجه الأرض على النحو الآتي:


أ- الإنسان الغربي ضحية الافتراءات الغربية


فالافتراءات والأكاذيب التي يتناولها الغرب على لسان العامة من شعوبه وأبنائه لا تعني بالضرورة إدانة الإنسان الغربي الذي قد يكون ضحية لهذه الافتراءات والأكاذيب الموجودة بالمخزون الثقافي والتراثي والغربي. إذ أن تناقلهم لتلك الأكاذيب وهذه الافتراءات قد يكون عن جهل أو عن تأويل فاسد، فكما قال السابقون من علمائنا “كفر المقولة لا يعني كفر قائلها”.


ب- المشكلة في مواجهة الهجوم على الإسلام


يلخص علماء الفكر الإسلامي والسياسة الشرعية المشكلة الحقيقية للمسلمين في مواجهة الهجوم والعداء الغربي للإسلام ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى وجه الخصوص تلك التي تصدر وبشكل مستمر عن الدوائر السياسية والدينية والإعلامية في الغرب؛ حيث نتعامل مع هذه الإساءات، وهذا الكره البغيض تعاملاً انفعاليا موسميا، سرعان ما يتبخر مع بقاء المواقف المعادية علي حالها. وإذا ما أردنا حل هذه المشكلة فعلى العقول المسلمة في كل مكان من بقاع الأرض أن يعرفوا مجموعة من الحقائق يجب أن تكون بمثابة الأسس الراسخة، والحاكمة عند اتخاذ أي موقف تجاه هذه الهجمات العدوانية، وهذه الحقائق هي:


الحقيقة الأولى: ضرورة إدراك قدم العداء الغربي للإسلام:


فليعلم الناس في مشارق الأرض ومغاربها أن عداء غير المسلمين للإسلام، وحقدهم على رسوله والتطاول عليه وتجهمهم للمسلمين، ليس وليد العصر وإنما ظهر على الساحة بظهور الإسلام كنور للبشرية جاء ليبدد ظلمات الإرهاب الفكري، والجسدي، والظلم الإنساني، والتدهور الاجتماعي وكقاصم لظهر الوجاهة والمكانة السياسية التي استغلت الإنسان حينا من الدهر، واستعبدته، وقهرته.


وقد سجل القرآن الكريم وسطرت السنة النبوية، وحفظ لنا التاريخ الكثير من الشواهد والبراهين على هذا العداء والتطاول المقيت الذي كان ولا يزال وسيظل حتى فناء الدهر، من ذلك قول الله سبحانه، في الآية التاسعة بعد المائة من سورة البقرة: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ.


ولكي تعم الفائدة من هذا الدليل القرآني كان لا بد من الوقوف على معرفة سبب نزول هذه الآية أولا ثم على العدل الإلهي الوارد فيها ثانيا؛ فسبب نزول الآية ما حدث بعد غزوة أحد حيث طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم َمن الرماة ألا يغادروا مواقعهم عند سفح جبل أحد، سواء انتصر المسلمون أو انهزموا.. فلما بدأت بوادر النصر طمع الرماة في الغنائم فخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهزمهم الله، ولكن الكفار لم يحققوا نصرا لأن النصر هو أن تحتل أرضا وتبقى فيها.


_هؤلاء الكفار بعد المعركة انطلقوا عائدين إلى مكة؛ حتى إن المسلمين عندما خرجوا للقائهم في اليوم التالي لم يجدوا أحداً، فجاء يهود المدينة واستغلوا هذا الحدث. وعندما التقوا بحذيفة بن اليمان وطارق بن ياسر وغيرهما.. قالوا لهم: إن كنتم مؤمنين حقا فلماذا انهزمتم؟ فارجعوا إلى ديننا واتركوا دين محمد.. فقال لهم حذيفة: ماذا يقول دينكم في نقض العهد؟ (يقصد ما الذي تقوله التوراة في نقض اليهود لعهودهم مع الله ومع موسى؟). ثم قال أنا لن أنقض عهدي مع محمد ما حييت. أما طارق فقال: لقد آمنت بالله ربا، وآمنت بمحمد رسولا، وآمنت بالكتاب إماما، وآمنت بالكعبة قبلة، وآمنت بالمؤمنين إخوة، وسأظل على هذا ما حييت.


فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاله حذيفة وطارق بن ياسر سر بذلك، ولكن اليهود كانوا يستغلون ما حدث في أحد ليهزموا العقيدة الإيمانية في قلوب المسلمين كما استغلوا تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ليهزوا الإيمان في القلوب، وقالوا: إذا كانت القبلة تجاه بيت المقدس باطلة فلماذا اتجهتم إليها، وإذا كانت صحيحة فلماذا تركتموها، فنزل قول الله تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ.


ولروعة العدل الإلهي جاءت دقة التعبير القرآني لتخبر الناس في كل زمان ومكان أنه ليس كل أهل الكتاب يفعلون ذلك، لا.. لكن البعض منهم كأن بعضهم فقط هم الذين كانوا يحاولون رد المؤمنين عن دينهم.. ولكن كانت هناك قلة تفكر في الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام، ولو أن الله جل جلاله حكم على أهل الكتاب جميعاً بأنهم أهل حقد وبغض وحسد، لسد الطريق أمام هذه القلة أن يؤمنوا.. فكان المعنى أن أهل الكتاب من اليهود يحبون أن يردوكم عن دينكم وهؤلاء هم الكثرة؛ لأن الله تعالى قال: وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب.


ثم جاء القرآن ليؤكد على أن السبب الرئيس فيما يتمناه غير المسلمين للمسلمين من ارتداد عن العقيدة، ومعاداة محمد وما جاء به ليس مبدأ أو عقيدة تأمرهم التوراة به، وإنما هو الحسد، والحقد والكره وتمني زوال نعمة الإسلام، التي جعلت المسلمين إخوانا متحابين، متكاتفين، مترابطين، بدأت لهم دولة حضارية، تحترم الإنسان، وتعظم من تشييد الدول على العدل والحرية والمساواة، بينما هم في حالة تشيع وتحزب. وها هو شاهد من أهلهم وهو القائد والكاتب الإنجليزي جلوب باشا (ت 1986م) يؤكد على قدم هذا العداء الغربي للإسلام والمسلمين فيقول: “إن مشكلة الشرق الأوسط إنما تعود إلي القرن السابع للميلاد”، وهو يقصد بذلك بداية ظهور الإسلام ببعث رسول الله محمد.


أما عن الحقيقة الثانية فهي عنوان المقال القادم إن شاء الله.


—–


* المصدر: المصريون.



الشطلي لـ"مهارات الدعوة": اشتغال الداعية بالبحث يحقق البصيرة الدعوية
dawahskillsar
أجرت الحوار: أمينة سعيد

بعد نجاح المؤتمر العلمي الدولي “أزمة الفهم وعلاقتها بظاهرة التطرف والعنف” الذي عقدته وزارة الأوقاف والشئون الدينية في غزة، في الفترة ما بين 8-9 جمادى الآخرة 1438ه الموافق 7 – 8 مارس 2017م، بالاشتراك مع كلية أصول الدين في الجامعة


الأستاذ عبد القادر الشطلي


الإسلامية مساهمة منهما في دراسة المشكلة ووضع الحلول المناسبة؛ حيث أضحت أزمة الفهم من أخطر الظواهر التي تعصف بالمجتمعات. ولمَّا كان سوء فهم النصوص وأقوال العلماء من أخطر أسباب هذه الظاهرة، كان لزاماً على المثقفين في المجتمع أن يتداعوا من أجل معالجة هذه الظاهرة، ووضع حدٍ لها، والعمل على نشر الفهم الصحيح للإسلام.


موقع “مهارات الدعوة” حرص على تسليط الضوء على أحد أهم الأبحاث التي قدمت في هذا المؤتمر الذي حمل عنوان “سوء الفهم في تطبيق الشريعة الإسلامية وأثره في نشر التطرف والعنف” للباحث الأستاذ عبدالقادر الشطلي؛ حيث كان لنا معه هذا الحوار الذي أكد فيه أن أهمية البحث تكمن في تسليط الضوء على أخطر قضية من القضايا التي يرتكز عليها الغلاة والمتطرفون، التي يعتمدون عليها في تكفير علماء الأمة وجماهيرها..


فإلى تفاصيل الحوار:


س1. بداية نبارك لكم هذا النجاح وندعوكم للحديث عن بدايات البحث من حيث الفكرة وأهميتها؟


شكرا لك أختي الفاضلة على إجراء هذا الحوار معي حول بحثي المقدم في المؤتمر العلمي الدولي “أزمة الفهم وعلاقتها بظاهرة التطرف والعنف”، وشكرا لاهتمامك به.


بالنسبة للإجابة على سؤالك المطروح أقول: إن فكرة البحث تقوم على ما يعانيه الشباب المتحمس للدين وتطبيق الشريعة من سوء فهم للشريعة الإسلامية وكيفية تطبيقها، والمناخات المناسبة لإقامة الحدود، وما يكتنف ذلك من شبهات والرد عليها وتفنيدها، وتكمن أهمية هذا البحث في تسليط الضوء على أخطر قضية من القضايا التي يرتكز عليها الغلاة والمتطرفون، والتي يعتمدون عليها في تكفير علماء الأمة وجماهيرها.


أما عن بدايات البحث والكتابة فيه فترجع إلى زمن الإعلان عن المؤتمر الذي أعلنت عنه وزارة الأوقاف والشؤن الدينية بالاشتراك مع كلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية بغزة، وكان يشتمل على عدة محاور ولكل محور عناوين متعددة، وقد اخترت منها عنوان هذا البحث، وذلك لأن التفكير في الكتابة في هذا الموضوع كان يراودني من قبل، فاغتنمت الفرصة للكتابة فيه.


س2. برأيكم لماذا حصل بحثكم على المركز الأول؟ وما ملخص البحث المعد؟


الفضل أولا وأخيراً لله عز وجل الذي أعانني على كتابة هذا البحث ووفقني إلى الفوز والنجاح وما توفيقي إلا بالله، وقد ذكر المحكمون بعض ميزات البحث في تقييمهم؛ حيث قالوا: “إن البحث من الموضوعات المهمة، وإنه أصل في موضوعه، وعالج موضوعا حساسا في المجتمع، والبحث شيق في أسلوبه، وطريقة عرضه، وامتاز بمنهجية واحدة من حيث الترتيب، وأهداف البحث واضحة، وقد تمكن الباحث من تحقيقها من خلال كتابته للبحث، ولغة البحث ممتازة من حيث صياغة المعلومات، ويكاد يخلو من الأخطاء اللغوية، كما أن الباحث اتصف بالأمانة العلمية من حيث توثيق المعلومات من مصادرها، وقد توصل الباحث إلى نتائج مفيدة وجيدة ومتناسبة مع ما قرره من معلومات”.


هذا ما قاله المحكمون عن البحث والباحث، وأسأل الله العظيم أن أكون عند حسن الظن.


أما ملخص البحث فقد جاء في مقدمة وأربعة مباحث وخاتمة.


بالنسبة للمقدمة تحدثت فيها عن أهمية الموضوع وخطورته والدوافع التي دفعتني لاختياره، والكتابة فيه. أما المباحث الأربعة فهي:


المبحث الأول: كان بعنوان “مفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية”، وقد تحدثت فيه عن عموم وشمول الشريعة الإسلامية لكافة جوانب الحياة ومجالاتها المختلفة، ثم تحدثت عن الفرق بين الشريعة الإسلامية كأحكام شرعها الله لعباده، وتطبيقها الذي هو تنزيل هذه الأحكام على الواقع، وأنه في بعض الظروف والأحوال يكون إيقاف الحد تطبيقا للشريعة.


أما المبحث الثاني فكان بعنوان “مكانة الحدود في الإسلام”، وقد تحدثت فيه عن أهمية الحدود وإقامتها، وتحدثت عن العلاقة بين الشريعة والحدود، وأن الحدود ما هي إلا جزء يسير من الشريعة الإسلامية، وعليه لا يجوز أن نقزم الإسلام ونحشره في الحدود فقط، وكأن الإسلام هو الحدود لا غير، وأن الذي لا يطبق الحدود لا يطبق الإسلام ولا يطبق الشريعة، كما أن الحدود قبل أن تقام وتطبق لا بد أن تتوفر لها المناخات المناسبة لتطبيقها، ولا بد أن يسبق ذلك خطوات.


أما المبحث الثالث: فكان بعنوان “معوقات تطبيق الشريعة الإسلامية وموانعه”، وقد قسمت المعوقات إلى قسمين: الأول معوقات عامة تشترك فيها جميع بلدان العالم الإسلامي، والثاني معوقات خاصة تنطبق على واقع المجتمع الفلسطيني وعلى وجه الخصوص قطاع غزة الحبيب.


أما المبحث الرابع: فكان بعنوان “التدرج في التطبيق لا التدرج في التشريع”، وقد تحدثت فيه عن مفهوم التدرج وأدلة مشروعيتها، ثم تحدثت عن التدرج عند سلف الأمة وعلمائها، ثم تحدثت بعد ذلك عن الحكمة من مشروعية التدرج وضوابطه، وقد أشرت في آخر ضوابط التدرج إلى أن التدرج يستلزم وجود رؤية واضحة نحو الأهداف والغايات مع مراعاة المرحلة المعيشة، واتخاذ الوسائل والتدابير اللازمة لتحقيق الهدف المنشود.


ثم ختمت البحث بذكر النتائج التي توصلت إليها من خلال كتابتي له، ثم أردفت النتائج بالتوصيات


س3. كم بحثا علميا أجريته؟ وما العوائق التي منعت ضيفنا من البحث العلمي؟


لي أبحاث كثيرة بعضها مطبوع ومنشور والبعض الآخر لم ينشر بعد، فمن الأبحاث التي طبعت ونشرت “حكم الإسلام في التحالف ودخول البرلمان”، وبحث آخر عن الخمر بعنوان “كأس الموت” في منتصف التسعينيات، وأيضا هناك أبحاث حكمت تحكيماً علمياً منها بحث بعنوان “القرضاوي فقيه الوسطية ومكافحة الغلو” وقد قدم إلى مؤتمر جهود د. يوسف القرضاوي في خدمة الإسلام ونصرة القضية الفلسطينية الذي عقدته وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – أكتوبر 2010م وهناك بحث آخر بعنوان “مفهوم دار الحرب ودار الإسلام وعلاقته بالتكفير” بالاشتراك مع د. يوسف على فرحات مدير عام الوعظ والإرشاد في وزارة الأوقاف، وقدم إلى المؤتمر الدولي “أزمة الفهم وعلاقتها بظاهرة التطرف والعنف”.


س4. كيف اخترت عنوان البحث؟ وما النتائج والتوصيات التي خلص لها البحث؟


عندما أعلن عن المؤتمر ومحاوره وعناوينها وموضوعاتها وقع اختياري على هذا الموضوع بناءً على رغبتي السابقة في الكتابة في هذا الموضوع كما سبق أن أشرت في الإجابة عن السؤال الأول.


أما عن النتائج والتوصيات فكانت على النحو التالي:


النتائج: أولاً – أن الذين يطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية في غزة عليهم أن يفرقوا بين الشريعة بمفهومها الشامل للإسلام كله، التي تقوم الحركة الإسلامية –خاصة الحكومة في غزة – بالعديد من جوانب الشريعة الإسلامية، وبين الحدود والتي تمثل جزءاً بسيطاً من الشريعة الإسلامية بمفهومها الواسع.


ثانياً – إن جنوح بعض الشباب الغيورين على الإسلام إلى الغلو والتطرف راجع إلى عدم تفريقهم بين الشريعة كوحي منزل من عند الله وبين التطبيق كفعل بشري اجتهادي من جانب آخر، وسوء فهمهم للواقع، وما يكتنفه من معوقات وموانع تعيق أو تمنع من تطبيق الحدود، وسوء فهم النصوص وتنزيلها على الواقع.


ثالثاً – إن الحكمة من تشريع الحدود هي زجر الناس وردعهم عن اقتراف الجرائم، وصيانة المجتمع عن الفساد والتطهر من الذنوب، وأنها السبيل الأنجح في القضاء على الجريمة وقطع دابرها.


رابعا-  على الرغم من أهمية تطبيق الحدود في زجر الناس وردعهم عن ارتكاب الجريمة، وصيانة المجتمع عن الفساد، إلا أن الإسلام لا يحرص حرصاً شديداً على تطبيقها، وأن منهج الإسلام قائم على مبدأ الستر على غير المجاهر بالمعصية ودرء الحدود بالشبهات الكثيرة اللذين يؤديان إلى ندرة العقوبة، وأن الحالة الوحيدة التي تستوجب تطبيق الحد على المجرم هي حالة المجاهرة لما فيها من تعدٍّ صارخ على حدود الله عز وجل، وتحدِّ لمشاعر المسلمين.


خامساً– إن تطبيق الحدود في ظروف مثل ظروف الحكومة في غزة، لا بد أن تسبق بخطوات ومراحل قبل الإعلان عن تطبيق الحدود ومباشرتها فعلاً على الجناة، من العمل على إيجاد مجتمع يحيا بالإسلام وللإسلام، والعمل الجاد على حل كآفة المشكلات التي يعاني منها المجتمع من فقر وبطالة، وجهل ومرض وإسكان وغلاء… إلخ، وتهيئة المجتمع لقبول الحل الإسلامي، وتطبيق الحدود وذلك من خلال الوعظ والإرشاد واستخدام كافة الأساليب التي تساعد على ذلك من تربية وتثقيف وإعلام، وسد لأبواب الفساد ومنافذ الجريمة، ومن ثم الإنذار المسبق وتحذير العصاة والجناة من مغبة اقتراف جرائم الحدود، وأن من يبدي صفحته للناس ويجاهر بالمعصية سيقع تحت طائلة العقاب.


سادساً – عند اتباع سنة التدرج في التطبيق لا التشريع لا بد من وضع خطة شاملة ومتكاملة، وواضحة المعالم وبينة الخطوات، كل خطوة منها تسلم للأخرى حتى تصل الحكومة في نهاية المطاف إلى آخر هذه الخطوات وهي تطبيق الحدود على الجناة، لا أن نتخذ من كلمة “التدرج” تكأة لتمويت فكرة المطالبة الشعبية الملحة بإقامة حكم الله، وتطبيق شرعه.


سابعاً– إن اتباع سنة التدرج في تطبيق الحدود، والأحكام الشرعية لا يعني ترك الناس فوضى بلا قانون، وأن الاستمرار في تطبيق القوانين الوضعية –التي هي من قبيل العقوبات التعزيرية التي لا تختلف كثيراً عن العقوبات التعزيرية في الإسلام– إنما هو من قبيل اتباع قاعدة: أهون الشرين، وأخف الضررين، لأنه إما أن يترك الناس بلا قانون، وإما أن نستمر على ما ورثناه من قانون وضعي لم نشارك أساساً في سنه ووضعه، وأظنُّ أنه لا يقول عاقل بأن نترك الناس بلا قانون يحكم حياتهم وتصرفاتهم، إلى أن تسنح الفرصة إلى تغيير هذه القوانين، وصبغها بالصبغة الإسلامية.


التوصيات:


1- أدعو القائمين على الحكم إلى وضع خطة واضحة المعالم للتدرج، وألا تكون الدعوة إلى التدرج -على حد تعبير الدكتور القرضاوي- تكأة لتمويت فكرة المطالبة الشعبية الملحة لإقامة حكم الله وتطبيق شرعه.


2- أدعو الدعاة إلى الله وكذلك العلماء إلى القيام بواجبهم تجاه شباب الصحوة الإسلامية، والعمل على توعيتهم وتبصيرهم بالأمور، وإقناعهم بتبني الفكر الوسطي والابتعاد عن الغلو والتطرف.


3- أدعو الشباب الغيورين على دينهم والداعين إلى تطبيق الشريعة الإسلامية إلى سعة الاطلاع، والعمق في فهم النصوص الشرعية عند تنزيلها على الواقع والبعد عن السطحية في فهم النصوص.


4- أدعو المؤسسات العلمية كالجامعات والكليات الشرعية إلى الاهتمام بموضوع الغلو والتطرف، وتحذير طلبة العلم من الجنوح إليه، وتبصيرهم بالمخاطر المترتبة على ذلك.


5- أدعو وسائل الإعلام بكافة أنواعها المسموعة والمرئية والمكتوبة للقيام بواجبها تجاه أبناء الصحوة الإسلامية، والابتعاد عن نشر ما من شأنه أن يستفز مشاعر المسلمين.


س5. في تقديرك من المستفيد من كل هذه الأبحاث؟ وما الفائدة التي تعود على القارئ من بحثكم المميز؟


المستفيد من هذه الأبحاث القارئ الكريم وعلى وجه الخصوص أبناء الصحوة الإسلامية، أما بالنسبة للفائدة التي تعود عليهم تكمن في الرد على الشبهات التي يثيرها أهل التطرف والغلو.


س6.هل أنت راضٍ عما قدمته في هذا البحث؟ ومن المحفز لك على إجراء تلك الأبحاث؟


نعم أنا راضٍ عما قدمته في هذا البحث ولله الحمد والمنة، وأما الحافز على إجراء تلك الأبحاث، فهو رغبتي منذ الصغر في الكتابة والبحث من جانب، وإفادة أبناء الصحوة الإسلامية وتصحيح المفاهيم المغلوطة لديهم من جانب آخر.


س7.ما أثر تقديم الداعية لهذه البحوث واشتغاله بها؟


لا شك أن هذه البحوث والاشتغال بها من قبل الداعية لها الأثر الكبير على أبناء الأمة الإسلامية؛ حيث تساهم في نشر الوعي وتصحيح الأفكار والمفاهيم المنحرفة لديهم.


س8. ما العوائق التي واجهتك قبل وأثناء وبعد إجراء أبحاثك العلمية؟


الحمد لله رب العالمين لم تكن هناك أي عوائق لا قبل ولا بعد إجراء تلك الأبحاث سوى بعض المشاغل والضغوطات التي كانت تطفو على السطح فجأة فتعيقني أحيانا عن الاستمرار في الكتابة، وإنجاز الأبحاث في مدة وجيزة.



التخصص وأهميته في حياة الفرد والمجتمع
dawahskillsar

أ.د نعيم أسعد الصفدي (خاص بموق مهارات الدعوة)


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن تبع هداهم بإحسان وتوفيق إلى يوم الدين ،أما بعد..


أ. د. نعيم أسعد


فإن للتخصص أهميةً كبيرةً في حياة الفرد والمجتمع، حيث نجد المتخصص في علم معين، أو مهنة معينة محباً لتخصصه، مبدعاً فيه، يعمل وهو مرتاح النفس؛ وهو ما ينعكس إيجاباً عليه وعلى أسرته ومجتمعه. وإن المجتمع المتطور المتحضر الذي يصبو إلى الأفضلية والرقي؛ لهو بحاجة ماسة لأصحاب التخصصات المتنوعة العلمية والمهنية.


وفي حال وجود خلاف بين الناس في قضية معينة، فلا بد من الرجوع إلى المتخصص؛ فهو الأقدر على أن يعطي الحكم المناسب والعلاج المناسب، ولذلك كان عمر -رضي الله عنه- يدخل ابن عباس رضي الله عنهما في أوساط الكبار ليبرز مكانته العلمية ويكون الحكَم في القضايا المختلف في معرفتها. حيث روى البخاري في صحيحه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الْفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ، قَالَ: فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ، قَالَ: وَمَا أُرِيتُهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ مِنِّي، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نَدْرِي أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا. فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَكَذَاكَ تَقُولُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَمَا تَقُولُ ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ اللهُ لَهُ: [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ] فَتْحُ مَكَّةَ، فَذَاكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ [فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا] قَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ.


فكمال فهم ابن عباس وسعة علمه دفعا عمر رضي الله عنه لتقديمه على أقرانه، وجعل كلامه هو الفيصل في المسائل الخلافية.


فقد كان ابن عباس حبرَ الأمة وعالمها ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له حيث قال: “اللَّهُمَّ فَقِّهُّ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ”. قال ابن بطال: “التفهم للعلم هو التفقه فيه، لا يتم العلم إلا بالفهم”. وقال ابن حجر: دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفهم في القرآن فكان يسمى البحر والحبر لسعة علمه.


ولذلك ينبغي علينا في حال وجود خلاف في قضية معينة أن نحكم المختصين فيها فهم الأقدر على إصدار الحكم المناسب والمريح للجميع. وفقنا الله تعالى وإياكم لما يحب ويرضى وجمعنا بكم في الفردوس الأعلى.


والحمد لله رب العالمين.



دعوة لصنع المعروف
dawahskillsar

إسلام ويب


كلمات نبوية مباركة ووصية تحوي الكثير من المعاني والإشارات، تلك التي وصى النبي بها أصحابه واتباع دينه، وذلك في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تحقرَنَّ من المعروفِ شيئًا، ولو أن تلقَى أخاك بوجهٍ طلِق”.


إماطة الأذى من صنائع المعروف


إنها دعوة لصنع المعروف وفعل الخير مهما قل، فإن العبد يسعى في عظيم المعروف فإن عجز عن كبيره فلا يحتقرن صغيره أن يفعله، فإن عجز فلا أقل من أن يصنع من ابتسامته معروفا يقدمه لمن يخاطبه، أو يتحدث معه، أو يخالطه، أو لكل من حوله.


إن أول ما يتبادر لذهن السامع من هذا الحديث أن يسعى في اكتساب المعروف وصنعه، فهي دعوة لصنع المعروف ابتداءً، أي معروف وكل معروف. فإن “شيئا” هنا نكرة في سياق النفي تفيد العموم فتشمل كل معروف.


فاحرص على فعل المعروف: فإن الأيام تمضي والصالحات تبقى، والآجال تنتهي ولكن الآثار الطيبة باقية، والإنسان يموت وتتوقف أعماله، ولكن ثواب أعمال البر الذي فعله قبل موته ما زالت تتدفق عليه حسناتها إلى يوم القيامة.


اصنع الخير ولا تتوقف عن المعروف؛ ففي يوم القيامة سينبهر أناس من ثواب أعمالهم الكبيرة في الدنيا، بل سيذهلهم ثواب أعمال ظنوها صغيرة لكنها كانت عند الله عظيمة، فأثابهم عليها ثوابا لم يتخيلوه، وجزاهم عليها جزاء لم يتوقعوه.


احرص على فعل الخير فإن الله تعالى لن ينسى خيرا قدمته، ولا هما فرجته، ولا دينا قضيته، ولا عينا كادت أن تبكي هما وحزنا فأسعدتها.


احرص على فعل الخير، ونشر الخير، والتحدث بالخير، ونية الخير؛ فإن هذا دلالة إيمان كما قال عليه الصلاة والسلام: “لا يشبع المؤمن من خير حتى يكون منتهاه الجنة”.


احرص على فعل الخير واطرق أبوابه، فإن الله لا يفتح أبواب الخير إلا لمن طرقها (كما يقول الطنطاوي)، فمن أقبل أقبل الله عليه، ومن أعرض أعرض الله عنه.


احرص على فعل الخير وأنت قادر، فربما يأتي وقت لا تقدر عليه:


احرص على عمل المعروف مجتهدا *** فإن ذلك أرجى كل منتظر


 وليس من حالة تبقى كهيئتها *** فاغنم زمان الصفا خوفا من الكدر


وكما قال بعضهم:


إذا هبت رياحــك فاغـتنمها ***  فإن لكــل خافــقـة سكون


 ولا تغفل عن الإحسان فيها *** فما تدري السكون متى يكون


افعل الخير حيث سنحت فرصة، وعود نفسك عليه ولا تترد، فعمل الخير طبع يكتسب، وعادة تُتعلم، وكما أن العلم بالتعلم والحلم بالتحلم، فهنا كذلك.


لا تحقرن من المعروف شيئا


إياك أن تحتقر شيئا من المعروف وإن قل؛ فمن عجز عن عظيم الخير وكبير المعروف فلا يعجزن عن يسيره، هكذا وصى الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى يشيع الخير بين الناس وينتشر المعروف.


لا تحقرن من المعروف شيئا وإن كنت مقصرا، وإن كنت مفرطا، وإن كنت مذنبا، وإن كنت عاصيا. فإن امرأة بغيا سقت كلبا فغفر الله لها. قال عليه الصلاة والسلام: “بينما كلبٌ يطيفُ برَكِيَّةٍ قد كاد يقتلُه العطشُ، إذ رأَتْه بَغِيٌّ من بغايا بني إسرائيلَ. فنزعتْ موقَها، فاستقَتْ له به، فسقَتْه إياه، فغُفِر لها به” (متفق عليه واللفظ لمسلم).


لا تحقرن من المعروف شيئا” وإن كان يسيرا، وإن كان قليلا، وإن كان بسيطا، ولو ريالا، ولو درهما؛ فإن الله يجعله بالقصد الصالح كثيرا. قال عليه الصلاة والسلام: “سبق درهم مائة ألف درهم”.


لا تحقرن من المعروف شيئا ولو رغيفا، ولو لقمة، ولو تمرة، بل ولو شق تمرة. فإن “من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب وإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل” (رواه البخاري)، وقال صلى الله عليه وسلم قال: “فاتقوا النار ولو بشق تمرة”.


لا تحقرن من المعروف شيئا ولو صلاة ركعة، ولو تلاوة آية، فإن رجلا أحب سورة الإخلاص فقال عليه الصلاة والسلام: “حبك إياها أدخلك الجنة”.


لا تحقرن من المعروف شيئا ولو تسبيحة لو كلمة طيبة ولو دعوة، ولو دمعة. “عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله”، “والكلمة الطيبة صدقة”.


لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تزيل من الطريق غصن شوك أو حجرا يؤذي الناس.. فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ، وجَد غُصنَ شَوكٍ على الطريقِ فأخَّرَه، فشَكَر اللهُ له فغَفَر له”. وقطع رجل شجرة من الطريق فرآه النبي يتقلب في الجنة.. “لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق، كانت تؤذي الناس”(رواه مسلم).


إن قوله عليه السلام: “إماطة اﻷذى عن الطريق صدقة” ليس توجيها عابرا؛ بل يؤسس للشعور بالمسؤولية، وحسن الصلة بالناس، فمن أزال غصن شوك رأفة بهم، ﻻ يتصور إيذاؤهم بأي أمر! وإذا كان هذا في تأخير غصن شوك فكيف بمن أزال ضغائن القلوب وأحقادها، فكيف بمن يزيل هموم الناس ويخفف عنهم آلامهم؟


لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تسقي حيوانا أو تطعم حيوانا، أو تزرع زرعا يأكل منه طائر؛ ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “بينا رجل بطريقٍ، اشتدَّ عليه العطشُ، فوجد بئرًا فنزل فيها، فشرِب ثم خرج، فإذا كلبٌ يلهثُ، يأكلُ الثرى من العطشِ، فقال الرجلُ: لقد بلغ هذا الكلبُ من العطشِ مثلَ الذي كان بلغ مني، فنزل البئرَ فملأ خفَه ماءً، فسقى الكلبَ، فشكر اللهُ له فغفر له. قالوا: يا رسولَ اللهِ، وإن لنا في البهائمِ لأجرًا؟ فقال: في كلِّ ذاتِ كبدٍ رطبةٍ أجرٌ”.


سقى الكلب فشكرَ اللهُ له فغفر له، هذا في كلب فكيف لو إنسان، فكيف لو مسلم، فكيف لو يتيما أو أرملة أو مسكينا؟ فكيف بمن يُحسِن للمسلمين، ويتفقَّد المحتاجين، ويتصدَّق على المعوزين، ويرحم المستضعفين؟


لعلها تكون المنجية


لا تتهاون في صدقة، ولا تستصغرن طاعة، ولا تحتقرن حسنة فلعلها تكون المنجية، فكلما وجدت عملا فبادر إليه وقل لعلها المنجية، ثم التي بعدها وقل لعلها هذه، والتي بعدها وقل هذه هذه. وسترى كيف تتحول حياتك إلى سباق متواصل للبذل والعطاء.


لقد اشترى سيدنا عثمان بئر رومة فقال النبي عليه الصلاة والسلام: “ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم”. وجهز جيش العسرة فقال فيه مثل ذلك، ودخل بلال الجنة بركعات كان يؤديها بعد كل وضوء، وتجاوز الله عن عبد كان يتجاوز عن الناس، وشهد النبي لرجل بالجنة لأنه كان سليم القلب تجاه المسلمين، فأنت لا تدري أي عمل لك سيكون دليلك وسبيلك إلى الجنة، فلا تتركن عملا، ولا تحتقرن عملا.


مسلمون في بلد ليس عندهم مسجد، ابن لهم مسجدا، وقل: عساها تكون المنجية.


مسلمون ليس عندهم بئر يستقون منه، احفر لهم بئرا، وقل: عساها تكون المنجية.


فقراء مرضى لا مستشفى لديهم أو لا يقدرون على تكاليف العلاج، أقم لهم مستوصفا خيريا يتعالجون فيه، وقل: عساها تكون المنجية.


يتيم فقير لا يجد مصاريف التعليم، ادفعها له لعلها تكون هذه، أرملة عندها أولاد لا تستطيع الإنفاق عليهم، تولهم واكفلهم، لعلك تدخل بهم الجنة وتكون هي المنجية.


فتاة توقف زواجها لعدم قدرة والديها على تجهيزها، فوقف حالها، جهزها وزوجها عساها تكون هذه.


أبواب الخير كثيرة


إن أبواب الخير كثيرة وطرائق المعروف وفيرة، فنفس عن المسلمين فقد قال عليه الصلاة والسلام: “من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر، يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مؤمنا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه”(رواه مسلم).. وفي الحديث: “أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً”(رواه الطبراني)


ولا يعجزن فقير ولا مسكين عن فعل خير فإن من المعروف إرشاد التائه، وتأمين الخائف، ومساعدة العاجز، وقضاء حاجة، ولو أن يفرغ من دلوه في دلو أخيه، أو يصنع لأخرق، أو يحمل رجلا على دابته، أو يعينه في حمل أغراضه. فإن لم يجد فبكل تسبيحة صدقة، وبكل تحميدة صدقة، وبكل تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وكلمة طيبة صدقة، ودعوة بظهر الغيب صدقة. فإن عجز عن كل ذلك فتبسمك في وجه أخيك صدقة. فإن لم يمكنه ذلك، قال عليه السلام، فأمسك شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك.


وأخيرا..


اعلم أن فعل الخير دين سريع السداد، سعة في الرزق، ونور في الوجه، وذكر حسن، ودعوات في ظهر الغيب.


واستكثروا من سرائر الخير فإن لها رائحة تفوق كل رائحة: عبيرها الذكر الحسن، وأثرها حُسن الختام.


نسأل الله أن يعيننا وإياكم على طاعته، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.



الدعوة الإلكترونية: 400 مهتدٍ عبر الحوار المباشر بالإنجليزية
dawahskillsar

أعرب نائب مدير عام جمعية النجاة الخيرية للعلاقات العامة والموارد الدكتور جمال الشطي، عن سعادته البالغة وامتنانه لما حققه مشروع الحوار المباشر باللغة الإنجليزية الذي تشرف عليه لجنة الدعوة الإلكترونية التابعة للجمعية من إنجازات نوعية؛ حيث


الدكتور جمال الشطي


حقق المشروع بحمد الله 400 مهتد ومهتدية من 49 دولة حول العالم من خلال 4166 حوارا إيمانيا متخصصا منذ إطلاقه في بداية عام 2015.


وأضاف الشطي أن الدعوة إلى الله تعالى هي أشرف الأعمال وأرفعها وأكثرها أجرا، وأن اللجنة تحرص على أن تقوم مقام المحسنين وأهل الخير في القيام بهذا الواجب الكفائي من خلال ثلة طيبة من الدعاة والعلماء المتخصصين في محاورة غير المسلمين على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم الفكرية؛ فاللجنة تكرس عامة أعمالها وأنشطتها لخدمة هذا المشروع الرائد فحيث يرد إلى الداعية أو المحاور أي أسئلة أو استفسارات من فئات الملحدين فإن الداعية يسارع إلى الردود والإجابات من خلال المادة المتوافرة مسبقا بموقع دعوة الملحدين بخمس لغات، فيما يستعين بمادة موقع “بشارة المسيح” المتميزة بلغتيه العربية والإنجليزية إذا كان المتحاور مسيحيا، وقد أضافت هذه التكاملية والشمولية ميزة كبيرة للجنة، انعكست بحمد الله على مخرجات هذه الأنشطة وترجمت إلى هذه الأعداد المتزايدة من المهتدين والمهتديات.


وقال: إن مهمة اللجنة لا تتوقف عن نطق هذا المهتدي للشهادتين، بل على العكس تماما فإن الجهد المبذول مع المهتدي عقب إشهاره الإسلام جهد مضاعف، حيث تقوم اللجنة بتوفير مواد ووسائط دعوية مرئية ومسموعة ومقروءة للمهتدي جميعها باللغة الإنجليزية لتساعده على فهم هذا الدين الجديد، وممارسة كافة شرائعه وفرائضه بصورة صحيحة خالية من أي شبهة تعصب أو غلو ناشئ عن سوء فهم لبعض النصوص الإسلامية، كما يقوم الداعية بصورة دورية بمتابعة المهتدين وتقديم كافة الاستشارات الدعوية والحرص على أن يظل المهتدي في تواصل مستمر مع هذه الأجواء الإيمانية الصافية التي تمنع من عودة انزلاق قدميه إلى سحيق الكفر والضلال من جديد.



صناعة الربانيين
dawahskillsar

د.محمد بن صالح سلطان


للدعوات والمناهج أساليبها المتنوعة، لتحقيق أهدافها في تكوين وتربية الأتباع وفي ظني أن أهم الأساليب -السلبية- خمسة:


الأسلوب الأول: أسلوب الجندية


وهو الذي ينزع شخصية التابع ويحوله لجندي ينفذ الأوامر والتعليمات- دون الرجوع إلى عقله -ومن غير تفكير في العاقبة ودون النظر إلى مشروعية الأمر وقد حاول أحد قواد رسول الله صلى الله عليه وسلم بتطبيق هذا المنهج، فعن علي رضي الله عنه، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية، وأمر عليهم رجلا من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم، وقال: أليس قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: قد عزمت عليكم لما جمعتم حطبا، وأوقدتم نارا، ثم دخلتم فيها فجمعوا حطبا، فأوقدوا نارا، فلما هموا بالدخول، فقام ينظر بعضهم إلى بعض، قال بعضهم: إنما تبعنا النبي صلى الله عليه وسلم فرارا من النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك، إذ خمدت النار، وسكن غضبه، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا، إنما الطاعة في المعروف» متفق عليه، وهذه الطريقة في التربية أكثرها أثرا سيما على المتربي وكذا المربي إذ يخلق الأنانية والفوقية وكذا استلاب العقل وتغييب التفكير والمقارنة وهي أقوى الأدوات التي يستخدمها بعض جماعات العنف والأحزاب، لكسب الولاء المطلق وتنفيذ الأوامر(العليا) حتى لو أدى إلى إهلاك النفس وإفنائها، فضلا عن قتل الآخرين والتعدي عليهم.


الأسلوب الثاني: رجل الحسبة والرقابة


وهذه طريقة تتمحور حول الغيرة الشديدة على الحرمات والحرص على الأمن- وهي مطلوبة- والمشكل هنا -ما يقصد منها الغياب عن تربية الذات- والتركيز في أخطاء الآخرين ومنكراتهم، وما أكثر المنكرات والمخالفات لمن بحث عنها ودقق فيها!! سيما في عصرنا الذي قلت فيه الديانة وازداد الانحراف وينتج عن هذا الأسلوب الاستعلاء، وأحيانا بروز الأنا، وتضخم الذات، والتسلط على الناس وعسفهم دون وجه حق، ما لم يضبط بضابط شرعي ونظامي يحمي الناس من التعسف والاعتداء.


النوع الثالث: أسلوب المحامي والمدافع


وهذا الأسلوب غالبا يقوم على المسائل الفكرية، والهوس في الرد على المخالفين والمنحرفين فتجده يبحث عن الأخطاء والانحرافات في الصحف، والتغريدات وكذا بين سطور الكتب، أو ترددات القنوات وهذه الطريقة توقع صاحبها في حبائل الشبهات والبحث عنها وتفكيكها، وكذا الانشغال بشكوك المنحرفين كما أنه مضيع للوقت وإشغال للنفس عن الأهم.


النوع الرابع: أسلوب الزبون


التعامل مع الأتباع على أنهم مستهلكون وزبائن، ولذا يحاول بكل السبل والطرق نيل رضاهم، وكسب ودهم، ليروج عليهم بضاعته وقد انتشر هذا في زماننا كثيرا، في صور متعددة اقتصادية، أو اجتماعية.


النوع الخامس: أسلوب الميت بين يدي المغسل


ويهدف هذا الأسلوب إلى إخضاع التابع بصورة تامة، ونزع إرادته وجعله تحت رحمة المتبوع؛ فيتلقى تعليمات وإرشادات الشيخ خاضعا مستسلما لرشد وعقل وديانة شيخه ونفي احتمالية خطأه وجهله.


وقد قال أحدهم: ولو قيل لي مت مت سمعا وطاعة وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا.


النوع السادس: أسلوب المعلم والمرشد


وأعتقد أن هذا الأسلوب الإيجابي هو الأنجع والأصلح في التعامل مع النفس الإنسانية، ويلبي رغباتها، ويوجهه للأفضل ويحترم عقله عبر المقارنة والتعلم، فالمعلم ينقل العلم ويرشد الجاهل ويسهل المعلومة ويتخذ أفضل الأساليب، لعرض ما عنده، كما أنه يجيب على الأسئلة ويتقبل مردة تلامذته، وهي طريقة الأنبياء فأولى مهامهم تعليم الناس وإرشادهم، وما أبلغ قوله تعالى- حين وصف ذاك الصنف-: ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون، وقد صدق المثل: إذا كنت تخطط لعام فازرع قمحا، وإذا كنت تخطط لعقد فازرع شجرة، وإذا كنت تخطط لمدى الحياة فدرب الناس وعلمهم.


تعليم الناس –يا سادة- وتكوين الجيل الواعي العارف لنفسه ولواقعه ولدينه؛ أكبر تحد ورهان يسعى إليه المصلحون عبر الأجيال فالسعيد من التحق بركبهم وسلك سبيلهم.


—-


* المصدر: الإسلام اليوم.



داعية فلسطيني لـ"مهارات الدعوة": هكذا يكون الداعية قويَّا
dawahskillsar
حاورته: أمينة سعيد

الدعوة إلى الله وظيفة الأنبياء والمرسلين، ومهمة الأتقياء والصالحين، ووصية السلف والتابعين، لذا تعد من أشرف وأنبل المهام


د. أحمد مشتهي ضيف الحوار


على وجه الأرض، والداعية القوي المتميز هو أحد أعمدة الدعوة الصحيحة؛ لذا وضع الإسلام العديد من الشروط التي يجب أن تتوفر في الداعية حتى يقوم بمهامه على أكمل وجه.


هذا ما أكده فضيلة الدكتور أحمد مشتهي -المحاضر في كلية الدعوة بفلسطين- في حواره مع موقع “مهارات الدعوة”؛ حيث أشار إلى أن هذا أمر مطلوب من الدعاة لينالوا ثقة المدعوين، وإلا تركوهم وبحثوا عن غيرهم ممن يملك ناحية من نواحي القوة والتميز.


وإلى نص الحوار:


* ما معنى أن يكون الداعية قويا؟


القوة في فهم الدعاة لها واقعها الخاص، حيث إنها لا تنحصر بما يفهمه عامة الناس بأنها تظهر في مفهوم الشدة أو القسوة أو الغلظة، أو السلطة في الرأي، والتسلط على الآخرين وممتلكاتهم؛ فهي تمتد لتشمل كل نواحي القوة والتميز اللازمة للداعية لأن يكون نموذجياً في حياته ودعوته، لا أن يكون هزيلاً أو ضعيفاً في ناحية من النواحي، فمطلوب منه مثلاً أن يكون قوياً في جسده ومن نواحي قوته في جسده صحته ورشاقته وحيويته، وقوياً في عقله، ومن نواحيها ملكة حفظه ودقتها، وعمق تحليله وفهمه، وبناء تصوراته للمستقبل بتقصي الحاضر والماضي؛ فالمؤمن كيس فطن، وكذلك يلزمه أن يكون قويا في إيمان قلبه، وواقعه في مجتمعه، كأب وابن وزوج وأخ وعم وخال وجار ومسلم قبل ذلك وبعده.


باختصار الداعية القوي هو الذي يشغل مكانه بفاعلية وتمكن دون نقص في كل نواحي وجوده ومسؤولياته وتمثيله للإسلام والمسلمين.


* لماذا حث الإسلام على القوة والإعداد لها وأظهر أهميتها؟


الإسلام يصنع الأقوياء بمنهجه القوي المتين، ولا يقوم إلا بالأقوياء، فلا مكان للضعفاء في القيام بمنهج الإسلام، ولا أقصد طرد الضعيف جسداً أو مظهراً، فرب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره، فهو قد ملك قوة الإيمان واليقين.


وقد حث الإسلام على القوة كمبدأ عام في كل الأطر والنواحي منفردين أو مجتمعين، حيث قال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ (الأنفال: 60)، ويحضرني موقف أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عندما مال لتولي مسؤولية ما، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أشار ضمنا لعدم مناسبتها لمواصفاته الشخصية التي منها القوة، حيث قال صلى الله عليه وسلم: “إنك امرؤ ضعيف”.


كذلك قوة أفراد الأمة فرداً فرداً وجماعة جماعة هي إشارة صريحة إلى قوة البناء المجتمعي العام، وإلى قوة النظام الذي يربط كل مكونات المجتمع المسلم باختلاف ظروف أفراده، حيث جعلها قائمة على قاعدة الحقوق والواجبات، وهي قاعدة ظهرت قوتها بإنصافها لأهل الحقوق منفردين أو مجتمعين، وألزمت أهل الواجبات بالقيام بواجباتهم.


* هل قوة الداعية هي طريقه للتميز في دعوته؟ وكيف يكون تأثير ذلك على المدعوين؟


طبعاً؛ فالناس بطبعهم يميلون للاستظلال بالأقوياء، ولو في ناحية من نواحي مهاراتهم الحياتية أو العملية، خذ مثلا الطلبة في الصف الدراسي (مجتمع صغير) باختلاف مستوياتهم وأعمارهم، من يحترمون؟ صاحب التميز والقوة في تحصيله، وصاحب التميز والقوة في بدنه، وصاحب الموقع الاجتماعي باعتبار ولي أمره، وصاحب المال، وكذلك كل من له عنصر قوة مؤيد به له احترام خاص به بين زملائه، على عكس مكسور الخاطر والجناح فهو في محل الاستضعاف والامتهان. وهذا فعلا مثل صغير لواقع المجتمع الكبير.


فهو عملياً أمر مطلوب من الدعاة لينالوا ثقة المدعوين، وإلا تركوهم وبحثوا عن غيرهم ممن يملك ناحية من نواحي القوة والتميز.


* لماذا يجب أن يحرص الداعية على التميز؟


لأنه يحمل منهج حياة مميزا، منهجا قويا بوضوحه وشموله وتكامله، ولأنه ينتمي لأمة لديها من مقومات القوة ما لا تملكه أمة سواها على وجه المعمورة، هذا من جانب.


ومن جانب آخر حرصه على تميزه وقوته لأنه يجب أن يعطي المثال الحق للفرد المسلم الحق، فينقاد له الناس بقوة منهجه والأثر الذي تركه على شخصه، لا أن يكون داعية ضعيفاً في ذاته ويحمل منهجا قويا غير منتفع به، وكأنه في هذه الحال كالحمار يحمل أسفارا، وكأنه يدعو عمليا إلى نزع الثقة من المنهج الذي يحمله ويدعو إليه لعدم تأثره به واقعياً، وهذا محل إنكار من الله تعالى على من يدعون لشيء ولا يعملونه، حيث قال تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (البقرة: 44) عافانا الله وإياكم.


* ما السبيل للتميز في الدعوة؟


ربما يظن البعض أن التميز لدى الداعية في دعوته يلزمه أن يكون مكتملاً في كل النواحي العملية اللازمة للقيام بأعمال الدعوة بإتقان مطلق، وهذا غير حاصل في مجتمع البشر المتغير، فلكل فرد ظروفه وإمكاناته الشخصية المتغيرة، أما المطلوب فهو داعية يعرف في نواحي الدعوة ما يلزمه أن ينفذ عملاً بإتقان أو على الأقل أن يوجه نحو من يتقنه من أبناء الدعوة، والأولى مع معرفته العامة في نواحي أعمال الدعوة ومتطلباتها أن يختص بناحية من نواحي علوم الدعوة وأعمالها، فيكون مرجعاً لأهلها في اختصاصه، وبذا يظهر نجمه في ميدان الدعوة وينتفع به أكثر عدد من روادها في محل قوته ودرايته. والعكس صحيح فإن غاب التخصص ذاب وسط عموم الدعاة والناس دون حضور متميز.


وربما الخطوة الأولى للتميز في الدعوة -انتماء وعملا- هو الفهم، فإن حصل الفهم الصحيح فتحت أبواب الخير على مصراعيها للعامل في ميدان الدعوة، ولن يتحصل ذلك إلا بالإتباع الصحيح للمنهج النبوي الصحيح، أما إن تجاوزنا الموروث الصحيح وخلطنا بينه وما تهوى أنفسنا أو يمليه علينا مجتمعنا، فبكل يقين البذور المشوهة لن تنبت ثمارا معتبرة، والفهم الخاطئ لن يؤدي لأعمال مقبولة، فالشرط العام لقبول العبادة بعد الإخلاص هو الموافقة، والموافقة أصلها الفهم الصحيح.


ومن الخطوات نحو التميز أسردها بنقاط: القدوة العملية (أقصد اتخاذ شيخ معلوم الصلاح بعينه محل التزام الداعية)، والصحبة الصالحة، وهذه تبدأ من الزوجة الصالحة وتمتد لكل الناس المؤهلين بصفة من صفات الصاحب، وطلب العلم الشرعي، وأعلاه الحياة مع القرآن الكريم، ومجاهدة النفس وترويضها نحو الفضيلة في كل نواحيها، وتجنبيها الرزيلة وما يؤدي إليها.


* برأيكم.. ما الهدف من أن يكون الداعية مميزا؟ وكيف يؤثر تميزه على دعوته؟


هذا مرتبط عمليا بثقة المدعوين بمحل الدعوة وأثرها على الدعاة أولاً، ولنا مثال في شخص النبي صلى الله عليه وسلم، فهو القدوة والأسوة الحسنة، والحسنة اسم جامع لنواحي التميز والقوة، ونافي لنواحي التردد والضعف، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان قوياً في كل النواحي اللازمة لنجاح الدعوة، بدأ من قوته الشخصية، وامتداداً للحضور الأسري والاجتماعي والمكانة في ذلك، ولا نغفل قوته الثقافية والإدارية والمالية والأمنية والعسكرية؛ فهو مثال في كل النواحي، ومكتبتنا الإسلامية مليئة بالدراسات التي عايش أصحابها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم واستنبطوا منها نواحي تميزه وقوته صلى الله عليه وسلم.


* كيف ساهم الانفتاح العالمي والطفرة الإلكترونية في تميز الداعية وإبداعه؟


يكفينا في ذلك أن نقول إنها اختصرت المسافات ووفرت الأعمار والأموال في نقل التجربة، والوصول للخبرة؛ فالوسائل الحديثة في الشبكة الإلكترونية أعطت الفرصة الكبيرة للدعاة في المشاهدة والاستماع والقراءة، بل والمشاركة في تجاربهم وخبراتهم الشخصية من قطر إلى قطر، وإلى كل أمصار العالم الإنساني، وهذا في زمن سابق اقتصر في فئة من الناس تملكت الجرأة في السفر وهجر الوطن وترك المال والولد، بل وضحت بأنفسها أولاً وأملاكها في سبيل طلب العلم، وعلى الرغم من محدوديتها وقلتها فإنهم أورثونا المجد التليد، وبنوا أمة عريقة بامتداد السنين.


وحالياً ربما الناس في صدمة واندهاش من التطور التكنولوجي المتسارع، حتى أن بعضهم وخصوصاً من المتقدمين في السن غير مقتنعين أن ما يحصل هو فعلاً حاصل، ففي أزمنتهم القريبة عايشوا ساعي البريد، وانقطاع خبر المسافر الوحيد.


والواجب على الدعاة اليوم والمؤسسات الدعوية -أي التي تعنى بالدعوة وتطوير الدعاة- أن يسابقوا الزمن في تأهيل الدعاة لما هو آت، بل ويسابقوا الدول في التوجيه السليم للاستفادة من الوسائل الحديثة في الشبكة الإلكترونية، وإن كنت أدعو إلى شيء فأدعو نفسي وغيري إلى المسارعة في التمكن من إنشاء التطبيقات والبرمجيات التي تشتغل على أساسها تلك الوسائل، وليكن لنا حضور مشهود يلاحظه كافة المستخدمين، أما إن رضينا بواقعنا اليوم حيث المشاركة الضعيفة والمتفرقة والفردية من الجهات الدعوية، فلن يلتفت لدعوتنا أحد من الناس، كونهم يعيشون في عالم آخر، وما زلنا نبحث عن أسباب الصدمة وآثارها، ومَن الأحق باستخدام تلك التكنولوجيا.


* ما معوقات التميز في العمل الدعوي؟ وكيف يمكن أن يوجهها الداعية؟


لعل المعوقات تتغلب على عوامل النجاح في كثير من الأحيان، كون الجنة حفت بالمكاره، وواجب الداعية أن يصمد في وجه هذه المعوقات والمكاره، والتي يمكن أن نصنفها ما بين متعلق بذات الداعية وشخصه أو وافد عليه من البيئة التي يعيش فيها.


فمثلاً من المعوقات الذاتية ضعف الإيمان والوازع الديني، وهذا يمكن علاجه بالتقرب من الله سبحانه وتعالى أكثر بالتطبيق الصحيح للفرائض والزيادة من النوافل، والصحبة الصالحة، ولا يغيب عنا لو استذكرنا مآل الإنسان ومصيره؛ فهو بوابة العبرة في كل لحظة؛ فالموت وما بعده كاف ليعظ من مات ضميره وضعف إيمانه.


أما المعوقات الخارجية فمنها مثلاً حالة الفقر المالي، والدون الاجتماعي، وهذا ينتج لحظة مقارنة الداعية نفسه مع غيره ممن هم أعلى منه درجة أو أكثر مالا وأحسن حالاً، وهذا يمكن علاجه وتجاوزه بالنظر إلى من هم دونك، وإلى من فقدوا نعمة أنت تعيش رغدها وابدأها من الصحة ومفرداتها حواسك وأعضاء جسدك وقوتك وعقلك وانتقل لنواحي النعم التي لا تعد ولا تحصى في حياتك الشخصية والجماعية. وربما الوسيلة الأنجع لهذه الحالة أن تزور المقابر فتتذكر نعمة الحياة التي تملكها، وتزور المستشفيات فتعتبر بحال من فقد الصحة، وتزور مؤسسات رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة سواء العقلية منها أو الحركية، ففيها العبرة العملية، وأعط لنفسك الفرصة لتزور بيوت اللقطاء، فتعيش لحظة الأصالة في النسب، والقوة الاجتماعية بالاستناد إلى الأبوين والأهل مقابل من ظهر على الدنيا وحيداً، بل يجعله الناس محل ذنب وجريمة, وما أكثر النعم لو استشعرناها، فالحمد لله على نعمه ظاهرة وباطنة.


* هل يخشى أعداء الدين من الداعية المتميز؟


الضعيف أياً كان لا مكان له ولا اعتبار، لكن الحساب والاعتبار للقوي، فالعدو وأعوانه عندما يخططون لمواجهة أمتنا تراهم يصنفوننا صنفين: أقوياء وضعفاء، جل خطتهم لمواجهة الأقوياء، وجزء منها لاستخدام الضعفاء في مواجهة الأقوياء.


لذلك فالداعية المتميز القوي هو محل استهداف الأعداء، فليستعد لذلك، بأن يحمي نفسه بتهيئتها للمواجهة الصريحة، وليتسلح بالثبات ركنا أصيلاً في معاني الانتماء لهذه الدعوة.


والمعادلة تقول: كلما زاد تميز الداعية وقوته زادت فرص استهدافه والتضييق عليه، لذلك فواجب على الدعاة أن يتميزوا ويجتهدوا في ذلك نصرة لدينهم وأمتهم، وليحرصوا أن يتوجوا تميزهم ووقتهم بتعزيز الوازع الأمني والتكتم على نواحي إنجازهم وتقدمهم، حرصاً على الإخلاص من ناحية، وقطع الطريق على الأعداء المتربصين بهم الدوائر.



?

Log in